فهرس الكتاب

الصفحة 6205 من 9994

#فوائد من حادثة الإسراء والمعراج

السيرة النبوية, معجزات وكرامات

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

ملخص الخطبة

فوائد وعبر من حادثة الإسراء والمعراج

الخطبة الأولى

أما بعد: فإن حادثة الإسراء والمعراج اشتملت على كثير من الفوائد والعبر، وهذه بعضها:

1-لما كان بيت المقدس مُهَاجَر كثير من أنبياء الله تعالى كان الإسراء بنبينا إليه؛ ليجمع له بين أشتات الفضائل. ومن حكم ذلك أن يعلم أن هذه الأمة المحمدية أولى بهذا البيت من غيرهم، ولكن بسبب إعراضنا عن شرع ربنا ضاع بيت المقدس منّا.

وإن من البشارات النبوية التي يحسن التنويه إليها هنا قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغَرْقَد؛ فإنه من شجر اليهود ) )أخرجه البخاري ومسلم.

2-كان الذهاب بالنبي إلى بيت المقدس ليلاً؛ لأنه زمن يأنس فيه المسلم بالله، منقطعًا عن الدنيا وشواغلها.

3-لما ذكر الله تعالى الإسراء نعت النبي بالعبودية فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] . ومن تأمل القرآن الكريم يجد أن الله تعالى نعت نبيه بنعت العبودية في أسمى أحواله وأرفع مقاماته، ففي مقام الدعوة: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19] ، ولما ذكر إنزال الكتاب عليه قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف:1] ، وقال مخبرًا عن الوحي إليه: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10] ، وقال عن جميع المرسلين: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ [الصافات:171، 172] . فالعزّ كل العزّ في أن تكون عبدًا لله تعالى.

4-اختلف العلماء في تأريخ الإسراء والمعراج اختلافًا عظيمًا، فذكر الإمام القرطبي المالكي رحمه الله في التفسير خمسة أقوال [1] ، وذكر السيوطي رحمه الله لذلك خمسة عشر قولاً [2] . وهذه فائدة تتفرّع عنها الفائدة التالية:

5-أنه لا يشرع للإنسان أن يخص ليلة المعراج بقيام من بين الليالي، ولا نهارها بصيام من بين الأيام؛ إذ لو كان ذلك من الشرع في شيء لما اختُلِف في تحديدها هذا الاختلاف، إذ كيف تُشرَع عبادة في ليلة لا نص في تحديدها ألبتة، وإنما هي أقوال دون إثباتها خَرْطُ القَتَاد. قال ابن رجب الحنبلي:"و أما الإسراء فقيل: كان في رجب، و ضعّفه غير واحد" [3] .

ولا يستشكلنّ أحد أن ليلة القدر لم تُحدَّد؛ لأنها في وتر العشر الأواخر من رمضان كما دلت عليه النصوص الصحيحة، وأما الليلة الموافقة لليلة الإسراء والمعراج فلا يصح في تحديدها إلا قول من قال: هي في إحدى ليالي العام. وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن يرتب الشرع عبادة عليها؟!

ثم إنه ينبغي أن نفرق بين فعل العبادة وبين تخصيصها بزمان أو مكان، فالذي اعتاد أن يصوم صومًا لو وافق صومه ليلة المعراج ـ لو فرضنا أن تأريخها معلوم ـ فله أن يصومها، لا لكونها ليلة المعراج، وإنما لكون صومه وافق ذلك، وهكذا قل في شأن القيام. أما أن يخص الإنسان ليلة أو يومًا بقيام أو صيام لم يدل الشرع على تخصيصها فهذا مما لا يُشرَع.

ومن الأدلة على التفريق بين فعل العبادة وبين تخصيصها بزمان أو مكان قول النبي: (( لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ) )أخرجه مسلم. فالنبي لا ينهى عن عبادة الصيام والقيام، وإنما ينهى عن تخصيص العبادة بيوم لم يشهد له الشرع باعتبار، ونحن لا ننهى عن الصيام والقيام، وإنما ننهى عن تخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بذلك.

6-من الواجب اعتقاده أن الإسراء والمعراج كان بجسد النبي وروحه، لا بروحه فقط؛ لما يلي:

ـ لأن هذا هو الذي يتماشى مع ظاهر النصوص، وليس من دليل يصرف هذه النصوص عن ظاهرها.

ـ ركوبه للبُرَاق، وهي دابة فوق الحمار ودون البغل. ولو كان الإسراء بروحه لم يكن من حاجة للركوب.

ـ قوله تعالى: أَسْرَى بِعَبْدِهِ ، فلو كان الإسراء بروحه لقال: روح عبده.

ـ لو كان بروحه لما كذبته قريش؛ فإن عقولهم لا تنكر أن الأرواح قد تجوب الآفاق في لحظة.

ـ قول الله تعالى: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54] .

7-أن أفضل الأنبياء نبينا ؛ لأنه تقدم عليهم وصلّى بهم، وبلغ في المعراج مبلغًا لم يبلغه أحد منهم. وهذا مما لا ينازع فيه أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت