8-بعض الناس ـ هداهم الله ـ يحتفلون بليلة الإسراء والمعراج، وقد اصطلحوا على أنها ليلة السابع والعشرين من رجب! وفي تقديري أنه لو كان لا بد من إبداء المشاعر لكان إبداء مشاعر الحزن أولى من إظهار الابتهاج والفرح؛ ذلك لأن النبي أسري به إلى بيت المقدس، فأين بيت المقدس الآن؟!
ثم إنا نستسمح المحتفلين أن نسأل سؤالاً: هل احتفل النبي وأصحابه بهذه الليلة؟ فإن قالوا: نعم قلنا: هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] ، وإن قالوا: لا قلنا: (( أحسن الهدي هدي محمد ) )أخرجه البخاري. فليسعنا ما وسع رسول الله وأصحابه.
9-لقي النبي في السماء الأولى: آدم، وفي الثانية: عيسى ويحيى، وفي الثالثة: يوسف، وفي الرابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السادسة: موسى، وفي السابعة: إبراهيم عليهم صلوات الله وتسليماته.
والحكمة في اختيار هؤلاء الأنبياء ـ والله أعلم ـ أنه بمقابلة آدم عليه السلام يتذكر أنه أُخرِج من موطنه وعاد إليه، فيتسلّى بذلك إذا أخرجه قومه من موطنه. وأما عيسى ويحيى عليهما السلام فلِما لاقاه من شدة عداوة اليهود، وهذا أمر سيلقاه النبي في مدينته. وأما يوسف فلِما أصابه من ظلم إخوته له، فصبر عليهم، وقد طرد أهل مكة النبي ، وأرادوا قتله. وأما إدريس فلرِفْعة مكانه التي تَشْحَذ الهمة لنيل أعلى الدرجات عند رب السماوات. وأما هارون فلأن قومه عادوه، ثم عادوا لمحبته. وأما موسى فلشدة ما أوذي به من قومه، حتى إن نبينا قال في ذلك: (( يرحم الله أخي موسى؛ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) )أخرجه البخاري ومسلم. وفي ملاقاة إبراهيم عليه السلام في آخر السماوات مُسنِدًا ظهره للبيت المعمور إشعار بأنه سيختم عمره الشريف بحج البيت العتيق.
10-أن الهداية بيد الله، وأن من حجبها الله عنه فلن تجد له هاديًا ونصيرًا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لقد رأيتني في الحِجْر وقريش تسألني عن مَسْرَاي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ) )أخرجه مسلم. ومع ذلك كذّبوه وسفّهوا كلامه، بل ارتد بعض ضعاف الإيمان.
11-وفي قصة المعراج أن جبريل كان يستفتح أبواب السماء، فيقال له: من؟ فيقول: جبريل. ففيه دليل على أن المستأذن إذا قيل له: من؟ سمى نفسه بما يعرَف به، ولا يقول: أنا، وجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتيت النبي في دَيْن كان على أبي فدققت الباب، فقال: (( من ذا؟ ) )فقلت: أنا، فقال: (( أنا أنا! ) )كأنه كرهها. أخرجه البخاري ومسلم.
12-وجد النبي أبواب السماء مغلقة وكانت تفتح لهما، وفي هذا من الإكرام له ما لا يخفى؛ لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها كذلك [4] .
13-حديث المعراج دليل من مئات الأدلة التي تدل على علو الله تعالى على جميع مخلوقاته؛ فقد رأى النبي حجابه بعد السماء السابعة.
14-وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ [المدثر:31] ، فقد أخبر النبي بأن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه. فعدد ملائكة الرحمن لا يحيط به إلا هو سبحانه.
15-قبح الغيبة وبيان عاقبة أهلها، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: (( لما عُرِج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم ) )أخرجه أبو داود.
16-ومن دروس المعراج إثبات عذاب البرزخ للحديث السالف. وفي بعض طرق قصة المعراج ذكر لبعض المعذبين، إلا أن علماءنا طعنوا فيها؛ ولذا أعرضت عنها.
17-الحادثة بجملتها فيها تسلية للنبي بعدما امتلأت جوانب حياته بسحائب الكآبة والأحزان، فكانت هذه الحادثة التي اضمحلّت أمامها تلال الغموم الناتجة من ازدراء قومه له وتكذيبه. إن المرء إذا أراد أن يقنع الناس بمبدأ معين وتصدى أهله وعشيرته لتكذيبه والنيل منه بسبب ذلك واجه من الأحزان قدرًا لا يحيط به إلا الله تعالى؛ لأن باقي الناس ممن ليسوا بأهله أولى بتكذيبه واستهجان طرحه.
وظلم ذوي القُرْبَى أشدُّ مَضَاضَةً على الْمرء من وَقْعِ الْحُسَامِ المُهَنَّدِ
ومن هذا يستفاد أن مع العسر يسرًا، وأن من الضيق فرجًا، وبالشدة رخاءً.
18-مكانة الصلاة في دين الإسلام، فإن الله اختصها بأن فرضها على نبيه بلا واسطة.
19-أكثر أمة يدخلون الجنة الأمة المحمدية، فإن النبي لما أراد مفارقة موسى عليه السلام إلى السماء السابعة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. أخرجه البخاري ومسلم.
20-بركة النصح للمسلمين؛ فإنه بسبب نصح موسى لنبينا خفف الله عنه الصلاة المفروضة إلى خمس صلوات.