فهرس الكتاب

الصفحة 7921 من 9994

[1] رواه أبو داوود والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ص 33.

[2] رواه البخاري ومسلم .

[3] رواه مسلم .

الحمد لله رب العالمين، تفضل على عباده بمواسم الطاعة، ليتميز أولو العزم والهمة، ولينكشف على الحقيقة أصحاب التراخي والمهانة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أثنى على نفسه خيراً، وثنى بالتحية على عباده الذين اصطفى"قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرُ البرية وأزكاها- صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله- ورضى الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ."

معاشر المسلمين: بُشراكم جميعاً شهر الصيام، أهلّه الله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام ، وجعله الله علينا وعلى المسلمين شهر بركة وخير، ومغفرة للذنوب، ورفعة للدرجات.

عباد الله: يحق لنا أن نفرح بهذا الضيف العزيز بعد طول عناءٍ، وبعد رحلة شاقة في دروب الحياة الدنيا، تملأ بالصد والإعراض، والإسراف في الذنوب، والظلم للنفس أو للآخرين، يشهد الكون فيها على الجراح النازفة، والبلايا والخطوبِ النازلة، والفتن والملاحم المتتابعة، والضعف والفُرقة، والتخاذل بين المسلمين - إلا من رحم ربك وقليلٌ ما هم - كيف لا نفرحُ فيك يا شهرَ الصيام! ونفرٌ من المسلمين لا يُحسون بالآم الجوع إلا حين يصومون، ومن إخوانهم من يتضورون جوعاً وهم مفطرون،

وكيف لا نفرح فيك يا شهر رمضان ونفرٌ من المسلمين تكادُ أن تكون صلتُهم بالقرآن مقطوعةً إلا في شهر رمضان ، أجل لقد جفّت مآقينا عن البكاء، فهل نجد فيك يا شهر الصيام باعثاً للبكاء على خشية الله ؟

طال سُباتُ نومنا، فهل يكون شهرُ الصيام موقظاً لقلوبنا بالصيام؟ واختلط اللغو، وكادت أصواتُ الخَنا والغناء أن تصمّ الآذان، فهل تكون يا شهرَ الصيام سبباً لسلامةِ أسماعنا؟ وتفنن الأعداءُ وأصحابُ الأهواء والشهوات في إخراج الصّور الفاضحة، ليصدوا الناس ويفتنوهم، فينشر الإثمُ عارياً. فهل يكون شهر رمضان سبباً في حفظِ أبصارِنا والمحافظةِ على قيمنا (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ) (الاسراء:36) .

معاشر الصائمين: إننا قبل الصيام وبعد الصيام مدعوون لأمرٍ عظيم، هو غايةُ الصيام وحكمتُه- وهو وصية الله وكلمته - وسوقُه روج في الصيام أكثر من غيرِه، كيف لا وقد قال الله تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة:182)

إن التقوى: وصيةُ الله للأولين والآخرين (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ) ) (النساء: 131) .

وهي وصيتُه سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) ) (الأحزاب: 1) .

تقوى الله: وصيتُه سبحانه وتعالى للمؤمنين خاصة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) ) (آل عمران:102) .

وهي وصيتُه للناس كافة: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) ) (النساء: 1) .

وبالتقوى: أوصى محمدٌ صلى الله عليه وسلم على الدوام وحيثما كان الزمان والمكان (( اتق الله حيثما كنت ) )

وإن سألتم عن حقيقة التقوى وآثارِها، أُجبتم بأن تقوى اللهِ نورٌ في القلوب، تظهر آثارُه على الجوارح، إنها سببٌ للفلاح والنجاح (( فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (المائدة: 100) .

ومنبعٌ للصلاح والإصلاح، ودليل للفرقان"إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً"التقوى عمادٌ للمؤمنين في الدنيا، و أنيسه في القبر، ودليلُه إلى جناتٍ ونهرٍ، تقوى الله حصن حصينٌ في الأزمات، وذخيرةٌ حين الشدائدِ والملمات، تُثبت الأقدامَ في المز الق، وتربط القلوب في الفتن،

إنها أعظمُ كنزٍ يملكه ويحمله الإنسانُ في الدنيا، وأعظمُ نور يرد به على الله يوم المعاد (( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) ) (البقرة:197)

أفلا تستحق بضاعةٌ تلك بعضُ صفاتِها وآثارِها أن يُسعى لها فهذا أوانُها، وذلك الشهرُ خيرُ معينٍ على تحقيقِها.

كم يدخل علينا من رمضانٍ ولم نمتحن أنفسنا على اكتساب التقوى، فهل يكون العام بآلامِه وآمالِه - فرصةً أكبر للتفطن لها وملءِ القلوب بها ، وتسيرِ الجوارحِ على مقتضاها، إنه كسبٌ عظيمٌ، وتجارة رابحة، نسألُ الله أن يعيننا على تحقيق التقوى- ومساكينُ من دخل عليهم رمضانُ وخرج، ورصيدُ التقوى جامدٌ لا يتحرك- أو يتحرك ببطء لا يكاد يُرى، إنني أدعو نفسي وإياكم إلى تحقيق التقوى، وافتح لنفسي ولكم مشاريع تُسهم في تحقيق التقوى، ومن عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها،

أيها المسلمون: وأولُ هذه المشاريع الجالبة للتقوى: التوبةُ النصوح ، فالتوبةُ: هي بدايةُ الطريقِ ونهايتُه، وهي وظيفةُ العمر وبدايةُ العبد ونهايتُه، ودليلُه إلى الخيرِ وسائقُه، وهي المنزلةُ التي يفتقر إليها السائرون إلى الله في جميع مراحلِ سفرِهم ، وحيث حلوا أو ارتحلوا، إن التوبةَ ليست من منازل العصاةِ والمخلّطين فحسب، كما يظن كثيرٌ من الناس - وإن كان هؤلاء العصاة أحوجَ من غيرِهم إليها - بل هي عامةٌ للطائعين والعابدين والعاصين، وهذا سيدُ الطائعين، وإمامُ العابدين محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- يخاطب الناسَ كافةً ويقول: (( يا أيها الناسُ توبوا إلى الله فإني أتوبُ إلى الله في اليوم مائة مرة ) )رواه مسلم وأهلُ الإيمان يُدعون للتوبةِ ويقول الداعي سبحانه (( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (النور: 31) .

إنه نداءُ الرحمن أفلا نستجيب؟ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) ) (التحريم: 8)

نعم يا عبادَ الله، كلُنا محتاجٌ إلى التوبةِ النصوح - فكلنا مخطئون، وكلنا مقصّرون، وما أعظمَ ربُنا وأرحمه، وهو يدعونا إلى التوبةِ ليغفِر لنا ذنوبنا، ويكفر سيئاتنا، ويفتح لنا باب الرجاء، وبها يدخلنا الجنة ويعيذنا من النار .

إنها - أعني التوبة - تبدأُ بالهمةِ الصادقةِ، وتستمرُ العزيمةُ القويةُ لتتحوّل الشهواتُ المحرمةُ إلى طاعا ت وقربا ت تأنس بها في الدنيا، وتجد أجرَها يوم ترد على الله ،

يا من غلبتهم شهواتُهم وأهواؤُهم في رجب وشعبان، أفلا تغلبونها في رمضان ومن بعد رمضان ؟

ويا من سوّفت في التوبة، وأرجأت الإقلاعَ عن المعصية، ها هو شهر رمضان حلّ، وما تدري أتدركه عاماً آخر أم لا، بل ولستَ تدري أتُتِمُ شهرَ الصيام حيّاَ أم تكونُ في عداد الموتى، وشهرُ الصيام لا يزال حيّاَ ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت