فهرس الكتاب

الصفحة 4405 من 9994

#حادثة الإسراء والمعراج

عبد العظيم بدوي الخلفي

ملخص المادة العلمية

1-شرح الأحاديث والآيات الواردة في ذلك. 2- بيان الحكمة من هذه الآية العظيمة.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي. فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي. أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي. أشبه الناس به صاحبكم(يعني نفسه) فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك صاحب النار فسلّم عليه، فالتفت إليه بعد فبدأني بالسلام )).

في هذا الحديث مفردات غريبة لابد من شرحها:

فالحجر: حجر إسماعيل ببيت الله الحرام بمكة المكرمة، وهو هناك معروف، وكان في أصله من البيت، فلما جدّدت قريش البيت وقل المال اقتصرت في البناء فبقى الحجر خارج البناء.

وقوله: (( لم أثبتها ) )أي لم أحفظها، لانشغالي بما هو أهم منها، لأن النبي حين أسرى به إلى المسجد الأقصى ما أريد بهذا الإسراء أن يتفقد أحواله وبنيانه ومداخله ومخارجه حتى يسأل عنها، ولذلك لم يهتم بحفظ أوصاف بيت المقدس.

وقوله: (( فكربت كربة ما كربت مثله قط ) )الضمير عائد على المعنى وهو الكرب والهم والغم، وليس عائدا على الكربة، لأن الضمير لو عاد على الكربة لقال: مثلها، ولكنه قال: (( مثله ) ).

وقوله في وصف موسى عليه السلام: (( فإذا رجل ضَربٌ ) )يعني بين السمين والنحيف وقوله: (( جعد ) )الجعد ضد السبط، والسبط الشعر المسترسل، وقوله: (( كأنه من رجال شنوءة ) )شنوءة قبيلة معروفة بالطول.

وهكذا شبه النبي لأصحابه موسى وعيسى وإبراهيم بمن يعرفونهم حتى كأنهم ينظرون إليهم.

أما الإسراء فالمراد به تلك الرحلة العجيبة التي كانت من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى بيت المقدس بفلسطين، قال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير [الإسراء:1] .

وهكذا مجّد الله نفسه ونزه ذاته عما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى من النقائص والمعايب، ومدح نفسه على قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، فقال: سبحان الذي أسرى .

والإسراء هو السير ليلا، وإنما كان الإسراء ليلا لأن الليل هو وقت السر والنجوى، ووقت التجلي الأسمى، ولذلك كانت أكثر عبادته بالليل استجابة لأمر ربه، حيث قال له: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قليلا [المزمل:1-6] .

سبحان الذي أسرى بعبده والعبد يطلق على الإنسان عموما، والمملوك خصوصا، والمراد بالعبد المذكور خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وفي إضافة العبد إلى ضمير الرب ما فيه من التكريم والتشريف، والتنبيه والتنويه، على جلالة قدره واختصاص ربه عز وجل به، وانقياده لأوامر ربه سبحانه وتعالى.

والعبودية لله عز وجل شرف عظيم، ومرتبة عالية، وأكمل الخلق أكملهم عبودية، وأشرفهم قدرا أكثرهم اجتهادا في تعبيد نفسه لله عز وجل، ولذلك كان النبي أكمل الخلق وأشرفهم وأفضلهم، وأرفعهم عند الله منزلة، وأقربهم إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاها، لأنه بلغ القمة العليا في العبودية لله رب العالمين.

ولقد وصفه الله تعالى بها في مقامات التشريف كلها:

فقال سبحان الله في مقام التنزيل: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف:1] .

وقال في مقام الدعوة: وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن:19] .

وقال في مقام التحدي: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة:23] .

وقال في مقام الإسراء: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء:1] .

ومع ذلك فقد كان سيد المتواضعين، وكان ينهى عن إطرائه ويحذر من الغلو فيه، خوفا من أن يخرجوه من مرتبة العبودية إلى مرتبة الربوبية التي لا تنبغي إلا لله عز وجل، فكان يقول: (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ) ).

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام والمراد مسجد مكة، بيت الله الحرام، سمى الله تعالى المسجد حراما باسم البلد الحرام، لأنه لا يجوز أن تنتهك حرمته لا بقتال، ولا بصيد صيد، ولا بقطع شجر، ولا كلأ: من المسجد الحرام بمكة: إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس.

والأقصى هو الأبعد، سمي مسجد بيت المقدس بالأقصى لبعده عن مسجد مكة: الذي باركنا حوله فجوانبه كلها مباركة، وكل ما حوله مبارك، وكل أرض وصفت بالبركة في القرآن الكريم فالمراد بها الأرض المذكورة.

هنا في قوله تعالى: الذي باركنا حوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت