فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال تعالى: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها [الأنبياء:81] .
وقال تعالى: ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيه [الأنبياء:71] .
وقال تعالى: وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها [سبأ:18] .
ثم ذكرت الآية الكريمة الحكمة من الإسراء، فقال سبحانه: لنريه من آياتنا الحسية بعد ما رأى من آياتنا العقلية، وهذه سنة الله في الأنبياء، قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض [الأنعام:75] .
وقال سبحانه في حق موسى عليه السلام: لنريك من آياتنا الكبرى [طه:23] .
وقد ذكر الله تعالى الحكمة من هذه السنة في قوله في حق إبراهيم عليه السلام: وليكون من الموقنين [الأنعام:75] .
وذلك أن الأنبياء عليهم السلام عندما يرون من آيات الله ما يطلعهم الله عليه يحصل لهم من عين اليقين ما يجعلهم يصبرون على كل ما يلاقون في سبيل الله عز وجل، ويتحملون بسبب ما رأوا ما لا يستطيع غيرهم أن يتحمله من المشاق والصعاب، وإذا دال عليهم أعداءهم بالمحن والعذاب لم يعبؤا بهم ولم يهتموا، فهم لما رأوا من آيات الله الكبرى عندهم من اليقين العظيم ما يجعلهم يرون قوة الدنيا بأجمعها كأنها جناح بعوضة.
ولقد رأى النبي من آيات ربه في هذه الرحلة ما رأى: لقد عُرض عليه إناء من خمر وإناء من لبن، فاختار اللبن، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر لغوت أمتك.
ولقد رأى عليه الصلاة والسلام الجنة والنار، ورأى مالكا خازن النار ورأى الذي يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم.
ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة، لا يستطيعون التحول عن أماكنهم من ثقلها وكبرها، وآل فرعون يمرون عليهم كلما عرضوا على النار صباح مساء فيطأونهم بأقدامهم.
ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، وإلى جواره لحم خبيث منتن، فيتركون السمين الطيب ويأكلون من الخبيث المنتن.
ورأى جزاء أعمال الصالحين وجزاء أعمال الفاسقين.
(إنه) سبحانه (هو السميع) لأقوال عباده، لا يخفى عليه شيء من الأصوات وقت الاجتماعات، على اختلاف اللغات واللهجات.
(البصير) بأحوالهم: وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [يونس:61] .
وبعد: فهذا هو حديث القرآن عن الإسراء: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وقد تلت هذه الرحلة رحلة أخرى إلى السماء وهي المعروفة بالمعراج، وقد تحدث عنها القرآن الكريم أيضا في قول الله عز وجل: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى [النجم:13-15] .
يعني: ولقد رأى النبي جبريل على أصل خلقته الملائكية مرة أخرى بعد المرة الأولى التي كانت في مكة قبل أجياد، وذلك أن النبي اشتاق إلى رؤية جبريل على أصل خلقته الملائكية، فبدا له في الأفق بمكة قبل أجياد له ستمائة جناح قد سد بها الأفق، وإلى هذه المرة الأولى أشار ربنا سبحانه بقوله: ولقد رآه بالأفق المبين [التكوير:23] .
فكانت هذه هي المرة الأولى: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى في السماء السابعة: عندها جنة المأوى فهي إذن صريحة في العروج به إلى السماء.