إن أهل العقل والعلم، ليسوا بمغرورين ولا مبالغين، في تصور أن وراء كل حدث مؤامرة، ولا من المتوهمين أن خلف كل حديث تآمرة. ولكنهم في الوقت ذاته لن يكونوا من أولئك الذين يسلمون القياد، ويرخون الزمام، لتقودهم أفكار فاسدة، أو تضلهم دعوات ماكرة، أو يسيروا خلف كل ناعقة. وأعداء الإسلام يستغلون كل حدث، ليوظفوه في إصابة الأمة في مقتل. ومن ذلك ما يكاد للمرأة في كل وقت وحين، وفي كل مناسبة وحادثة، وإن المستعرض لهذه القضية، يجد بدايتها على أيدي غير المسلمين،الذين خططوا في خفاء، ونفذوا في دهاء، وجندوا من أبناء هذه الأمة، من فقد اعتزازه بعقيدته، وتمسكه بدينه، وانتماءه لأمته، فصنعوا منهم أبطالاً، وخلعوا عليهم ألقاباً، ليخدعوا بهم المغفلين، ويفتنوا بأقوالهم الجاهلين، ويصدوا بهم الناس عن هذا الدين.
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
وقد لقي المسلمون من كيدهم، وأصابهم من مكرهم، ما أوقع بهم كل فتنة دهماء {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ويكشف الله جل وعلا عن حقيقتهم بقوله: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } يريدون أن يميل المسلمون ميلا عظيما، عن المنهج القويم، والصراط المستقيم، في تنظيم الأسر، وتطهير المجتمع، وتحديد وظيفة كل من الرجل والمرأة، يريدون أن يطلقوا بينهم الغرائز، من كل قيد وعقال، يريدون أن ينتشر الفساد الجنسي المحموم، بلا حاجز ولا رادع، ذلك الفساد الذي لا يقر معه قلب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة، يريدون أن يعود الآدميون قطعاناً من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث، باسم الحرية، وليست إلا شهوة واستعباد، وباسم الإصلاح و ليس إلا الفساد والإفساد. لقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية، وهو ما تسطره الأقلام الهابطة، وتبثه الأجهزة الموجهة، وتدسه الأفكار الهدامة. فاتق الله يا عبد الله { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } اللهم احفظ علينا ديننا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، الذي وفق أهل طاعته للعمل بلا إله إلا الله، وحقق على أهل معصيته ما قدره عليهم وقضاه، أحمده سبحانه على حلو نعمه ومر بلواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب سواه، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن نبينا محمداً، عبده ورسوله النبوة، فطوبى لمن والاه وتولاه.
أما بعد:
فيا عباد الله: إن ما وصل إليه الأمر، في بعض بلدان المسلمين، من التفسخ والتبذل، لم يحدث دفعة واحدة، وإنما بدأ بدايات بسيطة، خطط لها ودبر، وتداعت لنصرتها وسائل إعلامهم، ووزعوا الأدوار فيما بينهم، فهذا يطرح، وذاك يؤيد، والثالث يحكي الإجماع، يتظاهرون بأنهم للمجتمع من الفساد منقذون، وعلى الاقتصاد حريصون،، وأن غيرهم عاجزون، وأنهم في ذلك مصلحون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ…. } حتى آل الأمر إلى ما آل إليه، فعصفت رياح التغيير، وموجة التغريب بالمجتمع، وتعالت أصوات أهل العلمنة، ودعاة التحرير، وأنشبوا أظفارهم في جسد الأمة، فأكثروا فيها من الجراحات، وكلما خمدت نار فتنة أشعلوا فتيلها، بتصعيد إعلامي، من أقلام مأجورة، وجرأة غير معهودة، فخذوا حذركم، واتقوا الله تعالى في أنفسكم، واستقيموا على طاعة ربكم، واشكروا الله على نعمائه عليكم، وعالجوا الأمر بكل وسيلة ممكنة، على ضوء ما دل عليه كتاب ربكم، وسنة نبيكم ،"من رأى منكم منكراً …"واستشيروا في ذلك من رسخت في العلم قدمه، وعلا في- صلى الله عليه وسلم - الخير كعبه، واحذروا مكائد الأعداء، فإنهم لا يبالون في أي أودية الهلاك ألقوكم، ولنعلم جميعا أن ما أصابنا من فتن، إنما هو بسبب ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ… } فعلينا يا عباد الله أن نتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن نطرح بين يديه، مظهرين الفاقة والحاجة إليه، وأن نلح إليه بالدعاء والتضرع بأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يرزقنا وإياهم البطانة الصالحة الناصحة، وأن يجنبهم بطانة السوء.فاللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين،اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك، أن نغتال من تحتنا، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم من أراد نساءنا بتبرج وسفور، ومن خطط لاختلاطهن بالرجال، ومن كاد لنزعهن الحجاب، اللهم فأخرس لسانه، وشل يده، وأعم بصره، وعرضه للمصائب، واجعله عبرة للمعتبرين. اللهم واستر على نساء المسلمين.
الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) . [آل عمران: 102] .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) . [النساء: 1]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) . [الأحزاب: 70- 71] .
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس:
أهبط الله تعالى الأبوين عليهما السلام إلى الأرض، وسخر لهما ولذريتهما ما في سمائها وبرها وبحرها: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) . [البقرة: 29] .
وفي الآية الأخرى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) . [الجاثية: 13] .
واستخلف سبحانه وتعالى بني آدم في الأرض، يسكنونها ويعمرونها ويحكمونها، وكل ما على الأرض من مخلوقات فهو مسخر لهم، يتصرفون فيه، ولا يتصرف هو فيهم مهما عظم حجمه، ومهما كانت قوته: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ) . [الأنعام: 165] .
وفي أخرى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ) . [فاطر: 39] .
بل كان الاستخلاف لبني آدم في الأرض هو الغاية من خلق البشر؛ ليقيموا دين الله تعالى في الأرض؛ كما جاء ذلك منصوصا عليه في القرآن: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) . [البقرة: 30] .