فهرس الكتاب

الصفحة 7818 من 9994

ولما كان البشر يسكنون الأرض وهم حكامها، والمتصرفون فيها بأمر الله تعالى وحكمته؛ كان الإصلاح فيها يأتي من قبلهم، كما أن الإفساد فيها لا يكون إلا بأيديهم، وكل المخلوقات الأخرى على الأرض وإن كانت أكثر من البشر، وكثير منها أكبر منهم وأقوى؛ فإنها لا تملك إصلاحاً في الأرض ولا فسادا؛ ولذلك خوطب البشر بالإصلاح، ونهوا عن الفساد، ولم يخاطب غيرهم بذلك: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) . [الأعراف: 56] . (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) . [محمد: 22] .

وقالت الملائكة لربهم سبحانه وتعالى لما أخبرهم باستخلاف البشر في الأرض: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . [البقرة: 30] .

ومن سنن الله تعالى في عباده أن المصلحين والمفسدين من البشر يبقون إلى آخر الزمان، ويكونون في كل مكان، ويقع بينهم الصراع على الأرض، فالمصلحون يريدون صلاحها، والمفسدون يسعون في فسادها؛ وذلك ليتحقق الاستخلاف، وتظهر حكمة الله تعالى في ابتلاء العباد.

ومنذ أن بعث الله تعالى نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام فإن أمته أمة الإسلام تسلمت قيادة الصلاح والإصلاح في الأرض بما أُنزل عليها من الكتاب والحكمة، وبما حظيت به من شرف الإمامة والخيرية، التي من لوازمها السعي بالصلاح والإصلاح، والنهي عن الفساد والإفساد، ومعونة المصلحين، والأخذ على أيدي المفسدين: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله) . [آل عمران: 110] .

أيها المسلمون:

ومن لوازم قيام هذه الأمة المباركة بمهمة الإصلاح في الأرض التي كُلفت بها: أن يكون أفرادها متآلفين متحابين، معتصمين بحبل الله جميعا، متواصين بالحق والعدل، متعاونين على البر والتقوى، متناهين عن الإثم والعدوان، وأيُّ شرخ بين أفرادها فإنه يُشغلهم بأنفسهم عن إصلاح غيرهم، ويعطل مهمتهم، ويسلبهم رسالتهم العظيمة، ووظيفتهم الجليلة.

إنّ الفرقة والاختلاف داءان وبيلان يُقعدان بالأفراد والأمم عن الإصلاح والبناء، ويمكنان للهدم والفساد، ويسببان ظلمة القلوب، وفساد الألسن، والطعن في الناس، وقد يؤديان إلى الاحتراب والتقاتل.

وما أُصيبت بنو إسرائيل بالنقص والخذلان، وحاق بها الذل والهوان، وحقت عليها اللعنة - رغم أن النبوة كانت فيهم، وقد فضلوا على العالمين - إلا بسبب اختلافهم على أنبيائهم، واتباع أهوائهم، وأدى بهم ذلك إلى الفرقة والعداوة والبغضاء فيما بينهم.

يقول الله تعالى في شأن اليهود: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) . [المائدة: 64] . وقال سبحانه وتعالى في شأن النصارى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) . [المائدة: 14] .

لقد قصّ الله تعالى علينا ما وقعت فيه بنو إسرائيل من الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء؛ لئلا نسير سيرتهم، ولكي نحذر مسلكهم وطريقتهم، فنعتصم بحبل الله تعالى جميعا ولا نتفرق: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ العِلْمُ ) . [يونس: 93] . وفي الآية الأخرى: (وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) . [الجاثية: 17] .

وبلغ بهم اختلافهم وفرقتهم مبلغ الشقاق والعناد والقتال؛ كما في قول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) . [البقرة: 176] .

لقد نهانا ربنا جل جلاله أن نكون كما كانت بنو إسرائيل فرقة واختلافا وتباغضا وتناحرا؛ لئلا نضل كما ضلوا، ونزيغ كما زاغوا: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . [آل عمران: 105] . وفي الآية الأخرى: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) . [الرُّوم: 32] .

إنه طريق واحد هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى بسلوكه، وهو طريق الأنبياء كلهم، من سلكه أنجى نفسه، وسعى بالصلاح في أمته، ومن حاد عنه فقد فرَّق دينه، وأوبق نفسه، وجنى على أمته.

أيها الناس:

لما أمر الله تعالى بسلوك هذا الطريق الأوحد - وهو الصراط المستقيم - نهى عن الطرق الأخرى التي ينتج عنها التفرق والاختلاف: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . [الأنعام: 153] . وفي الآية الأخرى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) . [الشُّورى: 13] .

ومع هذا التحذير العظيم من التفرق والاختلاف الذي أبدى فيه القرآن وأعاد فإن أمة الإسلام وإن كانت معصومة من الإجماع على ضلالة، فإنها ليست معصومة من التفرق والاختلاف، الذي سببه البدع والضلالات، واتباع الهوى، وتعطيل السنن.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والبدعة مقرونة بالفرقة كما أن السنة مقرونة بالجماعة فيقال: أهل السنة والجماعة كما يقال: أهل البدعة والفرقة".اهـ

وقد يبلغ هذا التفرق بالأمة مبلغ الاحتراب والاقتتال، فيفني بعضهم بعضاً، ويقتلون أنفسهم ويتركون أعداءهم؛ كما وقع ذلك في كثير من دول الإسلام وتاريخهم، ولا يزال يقع إلى يومنا هذا، وهو كما جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:"يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضا ً".

وفي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام:"وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". [رواهما مسلم] .

وإذا كان التفرق والاختلاف واقعان في الأمة لا محالة، وهو من قدر الله تعالى الذي قدره عليها، فليس معنى ذلك أن يستسلم أفراد الأمة لهذا القدر، ولا أن يحتجوا به على تفرقهم واختلافهم؛ لأن الله تعالى وإنْ قدر ذلك بحكمته فقد أمرنا سبحانه بالاجتماع، ونهانا عن الفرقة: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) . [آل عمران: 103] . وفي أخرى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) . [الأنفال: 46] .

وروى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يرضى لكم ثلاثا. يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً, وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله تعالى أمركم". [رواه أحمد وصححه ابن حبان] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت