فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد/ شوقي عبد الصادق
الحمد لله بارئ الأكوان خالق الزمان والمكان، والصلاة والسلام على نبينا، وآله وصحبه الذين سبقونا بالإيمان وبعد..
لقد شاء الله أن يختار مكة لتكون أُمًا لكل القرى على وجه هذه البسيطة وأن يضع فيها بيته فقال تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
[آل عمران:69-79]
ويقول الشوكاني في تفسيرها وقد اختلف في الباني له في الابتداء فقيل الملائكة وقيل آدم وقيل إبراهيم ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة ثم جدده آدم ثم إبراهيم. وبكة علم للبلد الحرام وكذا مكة وهما لغتان، وقيل إن بكة اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام، وقيل بكة للمسجد ومكة للحرم كله، وقيل سميت بكة لازدحام الناس في الطواف، وقيل سميت بذلك لأنها كانت تدق أعناق الجبابرة ـ ومباركًا: أي كثرة الخير الحاصل لمن يستقر فيه أو يقصده، أي الثواب المتضاعف، والآيات البينات مثل الصفا والمروة، ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها الغيث إذا كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن وإن كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام وإذا عم البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومنها هلاك من يقصده من الجبابرة وغير ذلك.
[فتح القدير 1/263 بتصرف]
ونقول إن البيت بنص الآية هدى للناس فأيُ هدى في هذه الحجارة المرصوصة؟ إنه الهدى في التوجه إليه في الصلاة لأن غير المسلمين ضلوا عنه وتوجهوا إلى غيره ففقدوا الهدى فقال تعالى مبينًا أن الاهتداء في التوجه إليه في الصلاة والدعاء وغير ذلك فقال تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون [البقرة:051] .
والبيت هدى في ذاته لأنه الرمز الحسي لحبل الله الذي يعتصم به المؤمنون فقد قال الله سبحانه وتعالى عن القران: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وقال عنه أيضًا: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وقال: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، وقال: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، فالقرآن هدى في ذاته والبيت العتيق هدى كذلك للعالمين لأنه قبلتهم في الأرض كما أن البيت المعمور قبلة أهل السماء ولا تصح صلاة الفريضة لأهل الأرض بحرًا أو أرضًا أو جوًا إلا بالتوجه إليه إلا في بعض الحالات مثل القتال والمواجهة مع الأعداء مثلا.
والبيت العتيق أسس على التوحيد الخالص لله، والتطهير من كل صور الشرك قال تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود [الحج:62] وهكذا يجب أن تكون كل البيوت والمساجد تُبنى على اسم الله وتُطهر لله فلا تبنى على اسم أحد ولا يذكر فيها إلا اسم الله ولا طواف إلا ببيت الله لأن الطواف عبادة وصلاةُ قال تعالى: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق [الحج:92] .
ولما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» . [رواه الترمذي والحاكم وصححه] فالطواف حول البيت عبادة وحول أي ضريح أو قبر أو أي شيء في الأرض خلاف البيت شرك. فالطواف بالبيت هو ترجمة عملية للفظة لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم هو ربط بين القلب والبيت برباط من سبعة عُقد يعقدها القلب بالبيت حِسًا ومعنى فيكون البيت حسًا على يسار الطائف وقمة قلب الطائف حسب وضعها في الصدر تميل إلى ناحية اليسار حيث يوجد البيت فكأن البيت عمود والقلب حبل تم لفه وربطه حول البيت سبع لفات، وهذه اللفات السبع ما هي إلا إحكام لعُرى التوحيد، فمن الخزي نقض هذه العُرى بشيء من الشرك مثل الطواف حول الأضرحة كما يفعل بعض الناس عندما يعود من حجه أو عمرته يذهب إلى ضريح البدوي فيطوف حوله كأنه يوثق حجه أو عمرته أو يعتمدها منه وربط القلب بالبيت معناه أنك لا تسمع من الطائفين إلا دعاء الله سبحانه فلا تسمع دعاء لأحد المخلوقين.
ولا استغاثه بهم ولا طلب للمدد من أحد سوى الله سبحانه ويتحقق عند البيت قوله تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فعلى المسلمين أن يستمروا على ذلك كما في قوله تعالى: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين [النمل:19] فإذا نكصوا على أعقابهم وعادوا إلى شركياتهم في أمصارهم سلبهم الله الأمن وذاقوا الجوع والخوف.
البيت قيام للناس