إن الدعوة الإسلامية - على يد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - إنما تمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة موكب الرسل الكرام .. وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمراً واحداً: هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق ، وتعبيدهم لربهم وحده ونبذ ربوبية الخلق .. ولم يكن الناس - فيما عدا أفراداً معدودة في فترات قصيرة - ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله البتة ، إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق ، أو يشركون مع الله آلهة أخرى: إما في صورة الاعتقاد والعبادة ، وإما في صورة الحاكمية والاتباع ، وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله ، الذي كانوا يعرفونه على يد كل رسول ، ثم ينكرونه إذا طال عليهم الأمد ، ويرتدُّون إلى الجاهلية التي أخرجهم منها ، ويعودون إلى الشرك بالله مرة أخرى . إما في الاعتقاد والعبادة ، وإما في الاتباع والحاكمية . وإما فيها جميعاً ..
هذه طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري . إنها تستهدف"الإسلام".. إسلام العباد لرب العباد ، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، بإخراجهم من سلطان العباد في حاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم ، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة .. وفي هذا جاء الإسلام على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله .. جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس ، فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده ، فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله . بل الذي يصرف وجودهم هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم . فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم ، وصحتهم ومرضهم ، وحياتهم وموتهم ، كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها ، وهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه . ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم ، فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة ، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري ، وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني . (1) (1)
ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر ، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ، والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري .. هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده ، والتي واجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوته .. هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في"نظرية"مجردة . بل ربما أحياناً لم تكن لها"نظرية"على الإطلاق ! إنما كانت متمثلة دائماً في تجمع حركي . متمثلة في مجتمع ، خاضع لقيادة هذا المجتمع ، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته . وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد .
ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في"نظرية"مجردة ، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ، فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ، ورد الناس إلى الله مرة أخرى ، لا يجوز- ولا يجدي شيئاً - أن تتمثل في"نظرية"مجردة . فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلاً والمتمثلة في تجمع حركي عضوي ، فضلاً على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل
لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته . بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية ، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلاً .
والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة:"شهادة أن لا إله إلا الله"أي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادًا في الضمير ، وعبادة في الشعائر ، وشريعة في واقع الحياة . فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا توجد فعلاً ، ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم .
(1) يراجع بتوسع في هذه النقطة كتاب"مبادئ الإسلام"للسيد أبي الأعلى المودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان .