فهرس الكتاب

الصفحة 8040 من 9994

وبتلكَ المنهجيةِ النبوية، تحققتْ الوحدةُ بين المسلمين في المدينة، في أجملِ صورِها، وأبهى حُللِها, لقد كانَ بإمكانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- أن يرفعَ رايةَ الوطنيةَ في مكة, فيستجيبُ له أهلُ مكةَ كُلُّهم, أو يرفعَ رايةَ القومية فيستجيبُ له العُرب أجمع, وتتحققُ الوحدةُ بين الجميع تحتَ تلكَ الرايةِ الجاهلية، وبذلكَ يُجنِّب رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- نفسَه مشقةَ مواجهةِ قريشٍ وغيرها، لكنَّه عليه السلام فضَّل الصبرَ والمصابرة، والجَهدَ والعَناء، لتكونَ وحدةَ الأمة قائمةً على أساسٍ متين من العقيدةِ الراسخة، والإيمانِ القويِ المتين.

مهما تأخَّر تحقيقُ الوحدة، وتتطلبَ النفسَ الطويل.

والأمةُ اليوم إن كانتْ جادةً في تحقيقِ الوحدةِ وترسيخِها، فلتعلمْ أنَّه لا وحدةَ إلا بالتوحيد، ولا تكاتفَ ولا تعاونَ إلا إذا صحَّ المعتقد، وآمنَ الجميعُ بإلهٍ واحد, ونبيٍ واحد، وقرآنٍ واحد, وشريعةٍ واحدة, وداسوا بأقدامِهم كلَّ الدعواتِ الأجنبية والعصبياتِ الجاهلية، والشعاراتِ الوافدةِ من الشرقِ أو الغرب، والتي يرفعُ رايتها ويتولَّى زمامَها دعاةُ العلمنةِ والتغريب, وأصحابُ الأهواءِ ومرضى القلوب, والذين ذاقتْ الأمةُ بسببِهم الفُرقةَ والقطيعة، والنزاعات والقلاقل, في أنحاءَ شتىً من عالمِنا الإسلاميِ الكبير, ألا إنَّها دعوةٌ مشفقة إلى العودةِ إلى الإسلام عودةً شاملةً، عقيدةً وشريعةً, ومنهجَ حياة .

ألا إنَّها دعوةٌ، إلى العودةِ إلى الأصول التي قامتْ عليها دولةُ الإسلامِ الأولى, وتصحيحِ الأوضاع، وتقويمِ المسيرة, واستكمالِ النقص، وتسديدِ الخلل, وإلا رحم الله أبا الدر داء ورضي عنه إذ يقول: ما أهونَ الخلقِ على الله إذا هم خالفوا أمره, وبدَّلوا شَرعه.

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي.

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

أيها المسلمون: وَمَا زَالَت مَسرَحِيَّةُ المُسَاهمَاتِ قَائِمَةً على قَدَمٍ وَسَاقٍ، وَمَا زَالَت فُصُولُها تَتَتابَعُ حِينًا بعدَ حِينٍ، ما يَكَادُ السِّتَارُ يُسدَلُ على فَصلٍ منها حتى يُفتَحَ على آخَرَ، وما يَكَادُ المُسَاهمون يَصحُونَ من نَكبَةٍ حتى يَرتَكِسُون في أُخرَى ، مُسَاهمَةٌ تِلوَ مُسَاهمَةٍ ، واكتِتَابٌ في إِثرِ اكتِتَابٍ، ويَنجَرِفُ فِئامٌ مِنَ النَّاسِ دُونَ تَردُّدٍ أو تخَوُّفٍ ، وَيَنزَلِقُ مُتَهَوِّرُونَ دُونَ تَثَبُّتٍ أَو تَأَكُّدٍ ، وَتَبقَى فِئَةٌ مَا زَالَ فِيهَا بَقِيَّةٌ مِن دِينٍ وَحَيَاءٍ، تَنتَظِرُ فَتَاوَى المَشَايِخِ وَآرَاءَ العُلَمَاءِ ؛ لِتَستَنِيرَ بها وَتَستَبِينَ الطَّرِيقَ، فتُفَاجَأُ بِأَنَّها لا تجِدُ رَأيًا مُجمَعًا عَلَيهِ وَلا فَتوَى مُوَحَّدَةً ، فَمِن مُجِيزٍ مُشَجِّعٍ ، إلى مُحَرِّمٍ مُخَوِّفٍ، إلى مُتَوَقِّفٍ مُتَرَدِّدٍ ، وَيَجتَهِدُ بَعضُ العُلَمَاءِ النَّاصِحِينَ ، في إصدَارِ قَوَائِمَ بِمَا يُسَمَّى بِالصَّنَادِيقِ النَّقِيَّةِ، يَزِيدُ فِيهَا حِينًا ويَنقُصُ مِنها، ويُضِيفُ إِلَيهَا شَرِكَاتٍ وَيَحذِفُ أُخرَى، وَأيمُ اللهِ إِنَّ نَظرَةً فِيمَا غَلَبَ عَلَى عَالَمِ الاقتِصَادِ المُعَاصِرِ مِن مُعَامَلاتٍ رِبَوِيَّةٍ صَرِيحَةٍ، وَأُخرَى غَامِضَةٍ مَشبُوهَةٍ مُلتَوِيَةٍ، إِضَافَةً إلى تَشَابُكِ المُعَامَلاتِ وَتَشَابُهِهِا وَكَثرَةِ صُوَرِهَا وما يجِدُّ فِيهَا بَينَ يَومٍ وَآخَرَ، وَمَا يتَّصِفُ به كِبَارُ التُّجَّارِ مِن طَمَعٍ وَجَشَعٍ، وَمَا يَسلُكُونَهُ مِن طُرُقٍ مَاكِرَةٍ وَحِيَلٍ خَادِعَةٍ، أَقُولُ إِنَّ نَظرَةً مُنصِفَةً في كُلِّ هذا الوَاقِعِ، لَتَجعَلُنَا نَلتَمِسُ لِعُلَمَائِنَا العُذرَ في اختِلافِهِم في الفَتوَى، وَتَرَدُّدِهِم بَينَ مُجِيزٍ وَمَانِعٍ، وَتَوَقُّفِ مَن تَوَقَّفَ مِنهُم وتَنَصُّلِهِ مِنَ الفَتوَى، غَيرَ أَنَّ هُنَاكَ مَسلَكًا وَاضِحًا وَطَرِيقًا آمِنًا، يَرَى كُلُّ مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَصَحَ لِنَفسِهِ ولأُمَّتِهِ ، أَنَّ مِنَ الخَيرِ وَالأَسلَمِ لِلأُمَّةِ في ظِلِّ هذِهِ المُتَشَابِهَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، أَنْ تَأخُذَ بِهِ وَتَسلُكَهُ ، حِفظًا لِدِينِها الذي هو رَأسُ مَالِها وَمُنتَهَى رِبحِها، وَاستِبرَاءً لِعِرضِها وَحِمَايةً لِجَانِبِها، ذَلِكُم هو مَسلَكُ الوَرَعِ وَاتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ، حِينَ يَشتَبِهُ الحلالُ بِالحَرَامِ ، وَيَختَلِطُ الصَّافي بِالكَدَرِ ، وَلا يُعرَفُ النَّقِيُّ مِنَ الغَشَ،، عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَقُولُ: (( إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبِهَاتٌ لا يَعلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ استَبرَأ لِدِينِهِ وعِرضِهِ، وَمَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ ، كالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ ، أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ القَلبُ ) ).

أيها المسلمون: لَقَد أَنزَلَ اللهُ ـ تعالى ـ على نَبِيِّهِ الكِتَابَ مُحكَمَ البَيَانِ ظَاهِرَ البُرهَانِ، وَبَيَّنَ فِيهِ لِلأُمَّةِ مَا تحتَاجُ إِلَيهِ مِن حَلالٍ وَحَرَامٍ، لِتَكونَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن أَمرِها وَلا تَضِلَّ السَّبِيلَ، قال تعالى: (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ) (النحل89) .

وقال تعالى: في آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ التي بَيَّنَ فِيهَا كَثِيرًا مِن أَحكَامِ الأَموَالِ وَالأَبضَاعِ: (( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ) (النساء:176) .

وقال تعالى: (( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ ) ) (الأنعام:119) .

وقال سُبحانَهُ: (( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ) ) (التوبة:115) .

وَقَد وَكَّلَ ـ جل وعلا ـ بَيَانَ مَا أَشكَلَ مِنَ التَّنزِيلِ إِلى الرَّسُولِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ كما قال تعالى: (( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ) (النحل:44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت