واعلموا أن مصالح الدنيا يمكن أن تتقاسمها المجتمعات والأفراد ، ولكن قضايا الشرع والدين وأخلاقيات الأمة وهويتها لا يمكن أن تكون مقسمة ولا موزعة ، تلك أمور لا بد أن تكون أحادية المستند والمصدر والمرجع ، وليس لأي فئة أو طائفة أو اتجاه أن يجتهد في صناعتها، أو أن يبتكر في تكوينها ، فالله قد نزل القرآن العظيم ليكون حكماً على الناس أجمعين ، ولا يعني ذلك مصادرة حقهم في التزام دينهم ، ولكنهم يلزمون بالاحتكام إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا شجر بينهم خلاف وبين المسلمين .
تلك كانت هي قاعدة العهد الذي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود ، وفي ظل الالتزام بها عاش اليهود آمنين.
يروي التاريخ أعاجيب القصص عن ثقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم واحتكامهم إليه ورضاهم بقوله وسعادتهم بعدله .
أما طبيعة الوفاق الذي صاغه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المسلمين على اختلاف قبائلهم وأوطانهم وأعراقهم فلا تسل عن روح الإخاء التي بناها الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم حتى بات الخزرجي يستنصر بالأوسي فكان الإسلام برمته ميثاقاً غليظاً بين تلك الأعراق أما بنود هذا الاتفاق فكان قوله صلى الله عليه وسلم: (( يأيها الناس ، أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) ).
وقوله: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ).
وقوله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"وقوله"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ).
وقوله (( المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) ).
وقوله: (( لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه ) ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً , اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .
أمَّا بعدُ فيَا أيُّها الإخوة المُسلمون: اتقوا الله سبحانه وأطيعوه , واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.
عبَاد الله:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرةٌ عظيمة من شعائر الإسلام , بسببه نالت هذه الأمة خيريَّتها , وبه تميزت عن سائر الأمم , قال تعالى: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) ) (آل عمران: 110) .
الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والأخذ على يد السَّفيه حصنٌ حصين من المحن , ودرعٌ يقي من الشُّرور والفتن , وأمانٌ تحفظ به حرمات المسلمين , به تظهر شعائر الدين وتعلو أحكامه , ويعز أهل الإيمان ويذل أهل النفاق والطغيان .
قال الإمام سفيان: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر أخيك , وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق) .
أهل الإيمان وُصفوا في القرآن بأنهم: (( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة 71) .
بينما وصف أهل النفاق بأنهم (( يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (التوبة:67) .
من قام بالمعروف والنهي عن المنكر مكَّنه الله ونصره , وأيَّده الله وسدَّده , قال سبحانه وتعالى: (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ) (الحج: 40-41) .
عبَاد الله:
إذا فشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تميَّزت السنة من البدعة , وعُرف الحلال من الحرام , وأدرك الناس الواجب والمسنون , والمباح والمكروه, ونشأت النَّاشئة على المعروف وألفته , وابتعدت عن المنكر واشمأزَّت منه . [توجيهات وذكرى 1/47] .
وإن العاقل إذا تأمل في كثيرٍ من المجتمعات التي ضعف فيها جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرى جهلاً بالسنن , وانتشارا للبدع , وإهمالاً للصلوات , واتِّباع للشهوات . وأن من سنن الله الماضية أن يسلط عقوبته على المجتمعات التي تهمل هذه الشعيرة .
قال الله جل وعلا: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ) (المائدة 78-79) .
وإذا أُعلن المنكر في مجتمع ولم يجد من يقف في طريقه فإنه سيقوى ويكثر الخبث وعند ذلك يحلُّ بالأمة العذاب والهلاك .
ففي الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أنها قالت: (( يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: (( نعم , إذا كَثُرَ الخَبَث ) ).
ومما أُثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله: ( كان يُقال: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصَّة ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم ) ( إن وجود المصلحين في الأمة هو صمَّام الأمان لها , وسبب نجاتها من الهلاك العام , ولهذا قال تعالى:(( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ) (هود: 117) ولم يقل صالحون.
[يراجع حتى لا تغرق السفينة 28-29] .
وروى أبو داوود والترمذي عن أبي بكر الصديق t أنه قال: (( أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) )وإني سمعت رسول الله r يقول: (( إنَّ الناس إذا رأوُا الظالم فلم يأخُذوا على يديه أوشكَ أن يعمَّهم الله بعقابٍ منه ) ).
وفي المسند وسنن الترمذي عن حذيفة t أن النبي r قال: (( والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهَون عن المنكر أو ليوشِكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقاباً منه , ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم ) ).
الله أكبر - إنه تهديد يهزُّ القلوب الحية , ويحثُّ على المسارعة إلى إحياء هذه الشعيرة والعمل بها وحمايتها والدفاع عن القائمين بها.
ألا فاتقوا الله - يا أهل الإسلام- ومُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وخاصة في بيوتكم وعند أهليكم وأولادكم ومن ولاكم الله مسؤوليتهم , قال r: (( مَن رَأى منكم منكراً فليغيِّره بيده , فإن لم يستطع فبِلِسانه , فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) )وفي رواية: (( وليسَ وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل ) ).