الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
فلقد شنَّ أعداءُ الإسلامِ ضدَّ هذا الدين هجماتٍ متعددة , ورفعوا شعاراتٍ متنوعة, دون أن تختلفَ المقاصد, أو تتغيرَ الأهداف, وأخطرُ تلك الهجمات, هي هجماتِ المنافقين الذين قد يرفعونَ شعاَر الإسلامِ نفسهُ للكيدِ لهذا الدين, ومحاربةِ أهلهِ ومعتنقيه, لقد هَاجمَ عبدُ اللهِ بنُ سبأ اليهوديُ المحترف، هَاجمَ الإسلاَم باسمِ الإسلام , وأشَعَلَ الفتنَةَ بدعوى نصرةِ آلِ البيت, حتى حدثتْ المأساةُ التي انتهتْ بمقتلِ عثمان- رضي الله عنه- , وتلت ذلك فتنٌ كقطعِ الليلِ المظلم , جعلتْ الحليمُ حيراناً .
وجاءَ طاغيةُ فرنسا بابليون, يغزو أرضَ الإسلامِ في مصر, باسمِ الإسلامِ الذي ادَّعاه, وأوهَمَ العامة أنَّهُ مسلمٌ يسعى لإنقاذِ الأمةِ وإصلاحها , فأفسدَ الحرثَ والنسل , وأحرقَ الأخضرَ واليابس، وفَتَنَ الناس عن دينهم باسم الإسلام، ولذا حذَّر اللهُ تعالى الأمةَ من خطرِ المنافقين , الذين يُظهرونَ الإيمانَ ويُبطُنون الكفر، (( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) ) (البقرة:14) .
لكنْ مع كلَّ ذلكَ الكيد , وكلَّ تلكَ المؤامراتِ, وذلكَ العداء السافر الذي يشنُّهُ الكفرةُ والمنافقون , للنَّيل من عقيدةِ الأمةِ وكرامتِها, فإنّ اللهَ ناصرٌ دينَه, ومعلٍ كلمته, وكلُ الذين يظنون بأنَّهم سيحجبونَ الشمسَ بأجسادهمِ الضئيلة, ويُزحزحونَ الجبل بسواعدِهم النحيلة, إنَّما يعيشون أحلاماً، ويلحظون سراباً, فالإسلامُ دينٌ لا يُقهر, ورسالةٌ لا تموتَ, إنَّ سرَّ الإسلام في ذاتهِ في أصالتهِ وشموخِه, وفي عالميتهِ وشمولهِ .
دينٌ كَتَبَ اللُه له البقاء , مهما تصر متْ السنون, وتتابعتْ القرون, ومها قستْ الظروفُ, وتوالتْ المحنُ, وهو دينٌ لا يرتبطُ بقاءُه ببقاءِ زيدٍ أو ذهابهِِ, أو حياتهِ أو مماتهِ, لقد ذهب محمدٌ r , الذي جاءَ بالإسلام, وجاهدَ من أجلِ الإسلام .
ذهب محمدٌ وبقى الإسلام , وذَهَبَ أبو بكرٍ وعمر وبقي الإسلام, وذهبَ عثمان وعلي وبقي الإسلام, وذَهَبَ أبو حنيفةَ ومالك والشافعيُّ وأحمد وبقى الإسلام, وذهَبَ فلانٌ وفلانٌ وبقي الإسلام , فاطمئنوا أيُّها الغيورون على الدين, المنافحونَ عن الملة، سيبقى الإسلامُ مهما كادُ لهُ أعداءهُ من الكفرةِ والمنافقين, فاللهُ يقول: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (التوبة:33) .
ويقول: (( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) ) (لأنفال:8) .
لكن هذه البشائرُ يا أحبابَ محمدٍ عليه- الصلاة والسلام- , لا ينبغي أن تكفَ أيديَنا عن العمل, وبذلِ مزيدٍ من الجُهد في تنويرِ الناسِ ودعوتهمِ إلى الحق , والتفانيِ في نصرةِ هذا الدين، في المنشطِ والمكره, والسراءِ والضراء, والتحليِ بالصبرِ الجميل, فاللهُ يقول: (( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) ).
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي .
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون
الحمد لله مُغيثُ اللهفات ، فارجُ الكُربات، كاشفُ المحنِ والبليات ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريك له ، ما من دابةٍ في الأرضِ إلاَّ عليه رزقُها ويعلمُ مستقرها ومستودعها، كل ذلك في كتابٍ مبين ، لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها .
وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله، آمن وصدق ، وجاهدَ وصبر ، ونشرَ اللهُ رسالتَه في العالمين ، وأوحى إليه ربّه (( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (سورة الزخرف 43 ) وأوحى ومن معهُ من المؤمنين، (( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) ) (سورة هود: 113,112) اللهمَّ صل وسم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين .
أيُّها المسلمون ،من تأملَ العالمَ اليوم، يرى أحداثاً تتسارعُ، وقوى تتصارع ، حروبٌ مفتعلة ، وتهمٌ باطلة ، ظلمٌ وعدوان ، شحناءَ وبغضاء ، تهديدٌ وإرجاف ، هَرَجٌ ومرج، أهدافٌ معلنةٌ وأخرى مُبيَّتة ، فُرقةٌ واختلاف، وفتنٌ تموجُ ومستقبلٌ مجهول، يطغى صوتُ الحمقى ، ويغيبُ أو يُغيّب صوتُ العُقلاء ، وإن كان عقلاءُ العالمِ كلهم قلقين ومُنكرين لهذهِ الحماقات ، التي ربّما دمّرت الأخضرَ واليابس ، فما حالُ المسلمِ في ظلِّ هذهِ الأزمات المتلاحقة ، وهل من مُهدئاتٍ ومُسكناتٍ ومبشراتٍ ؟
إنَّ المسلمَ الذي يرتبطُ باللهِ خالقَ الكون ومُدبره ، ويعرفُ حقيقةَ الحياةِ الدنيا وطبيعتها ، والآخرة ونعيمها ، ويؤمنُ بالقدر خيرهِ وشره ، ينبغي أن يختلفَ عن غيره ، فلا يتعلقُ ولا يضجر ، ولا ييأسُ ولا يقنط، وهو وإن أحسّ كغيرهِ بالقلق ، وفكّرَ وقدرَ بالعواقبِ، فثمةَ مُهِّدئاتٍ أيمانيةٍ تُخففُ من روعه ، وتُجيبُ على تساؤلاته ، وتمنحهُ الهدوءَ والطمأنينةَ والراحةَ النفسية، بل وتدفعهُ للعملِ المُثمرِ والمشاركةِ الإيجابية .
وتعالوا بنا - معشرَ المسلمين - إلى شيءٍ من هذهِ المُسَكِّناتِ الإيمانية، نعلمُها ونتعاملُ معها ، كلما حدثت أرمةٌ ، أو أطلّت فتنة ، أو ضاقت علينا أنفسُنا .
أولاً: ترسيخُ مفاهيمُ العقيدة الحقةِ في نفوسنا:
من قضايا التوحيدِ والعقيدةِ التي يجبُ ألا تغيبُ عن المؤمنِ أبداً قضيةُ الربُوبية، وإنَّ اللهَ تعالى بيدهِ الأمرُ كلُّه، وإليهِ يَرجعُ الأمرُ كلُّه، فالخلقُ ، والرزق، والإحياءُ والإماتةُ ، والنفعُ والضرُ ، والرفعُ والخَفضُ ، كلهّا بيدِ الله ، والخلقُ كلُّهم وعلى مختلفِ رُتبهم وقوتِهم لا يملكونَ من الأمرِ شيئاً، (( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) ) (سورة الطلاق:3) وهذا صفوةُ الخلقِ يُعلنها حقيقةً إيمانية، ويقول: وهو الكريمُ على اللهِ (( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) (سورة الأعراف: 188) .