فهرس الكتاب

الصفحة 8661 من 9994

ويُوجهُ الخطابُ صريحاً وعاماً، ألاَّ أحدٌ يَملكُ الضُرَّ أو النفعَ إلاَّ الله (( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ ) ) (سورة الأنعام: 17) .

أمَّا البشرُ فهم مهما امتلكوا من قوةٍ ضُعفاء، بل يتناهى ضعفُهم إلى حد قوله تعالى: (( وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) ) (سورة الحج: 73) .

2-إخوةَ الإيمان، ومن توحيدِ الربوبيةِ إلى توحيدِ الأسماءِ والصفات مُسكِّن ثانٍ ، وتوحيدُ الأسماءِ والصفات هو الإقرارُ بأنَّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ ، وعلى كلِّ شيء قدير ، وأنَّهُ الحيُ القيومُ، لا تأخذهُ سِنةٌ ولا نوم ، لهُ المشيئةُ النافذةُ ، والحِكمةُ المبالغةٌ ، وأنَّهُ سميع ٌ بصيرٌ رءُوفٌ رحيمٌ ، على العرش استوى ، وعلى الملكِ احتوى ، وأنَّهُ الملكُ القدوسُ السلامُ المؤمنُ المهيمنُ، العزيزٌ الجبارٌ المتكبرٌ، سبحان اللهِ عمَّا يُشركون !! إلى غيرِ ذلك من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وصفاتِه العُلي، ( تيسير العزيز الحميد / سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ) ص 190

إنَّ استشعارَ المسلمُ لأسماءِ الله ، وتصورهِ لصفاتهِ، يمنحُهُ الرضا بما قضى، والطمأنينةَ بما قدّر ، ولما القلقُ واللهُ علّامُ الغيوب ، ورحمتُهُ وسعت كلّ شيءٍ ، وبيدهِ وحدهُ مفاتيحُ الرحمةِ ومغاليقُها (( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) (سورة فاطر:2)

ولما الخورُ والضجرُ وأزمّةُ الأمورُ كلّها بيدِ الله ، فهو العليمُ وهو الحكيمُ، وهو الخبيرُ ، وهو اللطيفُ ، وهو السميعُ البصير ، وهو الجبّار ُ القادرُ المتكبر وقد أخبر (( إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ) )متفق عليه .

وقد قيل في معنى إحصائها: أي من أطاقَ القيامُ بحقّ هذهِ الأسماء ، وعلم بمقتضاها ، وهو أن يعتبرَ معانيها، فليزمَ نفسهُ بموجباتها ، فإذا قالَ الرزاق ثق بالرزق ، وكذا سائرُ الأسماء ( معارج القبول ، الحكمي 1/84)

3-ومُسكّنٌ ثالثٌ يتمثلُ في صدقِ الدعاء ، والتضرعِ لله (( فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) (سورة الأنعام:43 ) (( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) ) (سورة النمل:62) ومن هدي النبوة قبسٌ ودعاءٌ يُذهب الهمَّ والغم ، ففي المسندِ وصحيح أبي حاتم، من حديثِ عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال ، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (( ما أصابَ عبدٌ همٌّ ولا حزن فقال:"اللهمَّ إنِّي عبدُك ابنُ عبدِك ، ابن أمتِك ، ناصيتي بيديك ، ماضٍ فيّ حكمك ، عدلٌ فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك، سميتَ به على نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عنك أن تجعلَ القرآن ربيعَ قلبي، ونور صدري، وجلاءَ حزني، وذهابَ همِّي وغمي، إلاَّ أذهبَ اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدلهُ مكانهُ فرحاً ، قالوا: يا رسولَ الله: أفلا نتعلمهنَّ ؟ قال: بلى ، ينبغي لمن سمعهنَّ أو يتعلَمّهُنَّ ) ) (الفوائد/ 33) ."

فهل نعلمُ هذا الدعاء ؟ وهل نعملُ به ، وهل نجدُ له أثراً في حياتنا ؟

4-أما المسكِّنُ الرابع فهو المنتظرُ بتفاؤلٍ للمستقبل ، وعدمُ حبسِ النفسِ تحت ضغوطِ الواقعِ المؤلم ، إذ كثيراً ما يتضايقُ المرءُ، ويقلقُ ويضجر، نتيجةَ ما يراهُ حاضراً من أحداثٍ مؤلمةٍ، لكنهُ حين يتجاوزُ الحاضرَ، ويتفاءلُ المستقبل، يُري عن نفسهِ ويقودها للعملِ و الإنتاج، والبهجةِ والسرور ، فالأحزانُ لا تدوم، والضيقُ يعقبهُ الفرج ، والصبرُ جسرٌ يعبرُ عليه الصابرون من حالٍ إلى حال ، وهذا رسولُ الهدى- صلى الله عليه وسلم-حين ضاقت على أصحابهِ المهاجر، وجاءُوا إليه يشكُون ما يلقونَ من عنتِ المشركين ، وقال قائلُهم: ألا تستنصرُ لنا ألا تدعو لنا ؟ فتح لهم رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- بابَ الأملِ، وبشَّرهم بمستقبلٍ مُشرق، بعد ترويضهم بالصبرِ واليقين (( والله ليتمنّ اللهُ هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضر موت لا يخافُ إلاَّ الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون )

5-ومن المسكناتِ في الأزمات، كثرةُ العبادةِ، والاستمرارُ على الطاعة، إذا الأنفسُ تُشغل، والقلوبُ تضعف، والذهنُ يتشتتُ، ورُبما انشغل بعضُ الناسِ بالقيلِ والقال، وفَترَ عن عبادةِ ربَه ، والمؤمنُ الذي يُداوي ذلك بكثرةِ العبادةِ لا شكَّ مُوفقٌ مروِّضٌ لنفسه، ولهذا يذبُّ الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- المسلمين إلى العبادةِ في الهرجِ، وعظّمَ أمرها فقال: (( العبادةُ في الهرج كهجرة إلىّ ) )

وفي الحديث الآخر: (( بادروا بالأعمال، فتناً كقطعِ الليل المظلم، يصبحُ الرجلُ مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبحُ كافراً ، يبيعُ دينهُ بعرضٍ من الدنيا ) )

ولا ريب - معاشرَ المسلمين - أنَّ من فعلَ ما يوعظُ به أنسهُ اللهُ وثبّتهُ الله (( ولو أنَّهم فعلوا ما يُعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً ) ) [ النساء: 66]

6-والدعوةُ إلى اللهِ فلاحٌ ومسكنٌ إيجابي في الأزماتِ كذلك ، بل مفتاحٌ لحلّها بإذنِ الله، وفي ذلك إشغالٌ للنفسِ بما ينفع ، أجل إنَّ الفارغَ من العملِ المثمرِ يقضي وقتَه بالتفكيرِ والتحسُّرِ السلبي ، لكن إذا صرفَ همّتهُ للدعوةِ ونفعِ الناس، نفعَه الله ، ونفع الناسَ به، ومن تأملَ سيرةَ النبي- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين معهُ وحدهم، في أشدّ الضيقِ والأذى، يُمارسُون الدعوةَ إلى اللهِ، وعجبت قريشٌ وهي تضايقهم، وأفرادٌ من المعدودينَ منهم يستجيبون للدعوة، وينضَّمون لقافلةِ المؤمنين ، ومن أبرزِ هؤلاءِ حمزةُ وعمرُ بن الخطاب ، وغيرهم كثير- رضي الله عنهم- أجمعين، بل ومن خارجِ مكة أمثال ؟؟؟

فهل يا تُرى ينشطُ المسلمون في الدعوةِ إلى اللهِ، وفي وقتِ الأزماتِ خاصةً، ليغيظوا الكفَّار والمنافقين من جانب ، وليطردوا عن أنفسهمُ الضيقُ والضجر، واليأسُ والإحباطُ من جانبٍ آخر ؟ ! وينشروا الخير ُ، ويضاعفوا من أعدادِ المسلمين

7-والصدقةُ والإحسانُ سبيلٌ لرفعِ الأزماتِ والكروب، كيفَ لا وقد صحَّ الخبرُ ( أنَّ صنائعَ المعروفِ تقي مصارعَ السُوء، والصدقةُ خفياً تُطفي غضبُ الرب، وصلةُ الرحمِ زيادةٌ في العمر، وكلُّ معروفٍ صدقة، وأهلُ المعروفِ في الدنيا هُم أهلُ المعروف في الآخرة") رواه الطبراني في الأوسط ورجحه الألباني في صحيح الجامع 3/24)"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت