والصدقةُ برهانٌ على حبِّ الخير ، وهي شارحةٌ للصدور ، مٌنفِّسةٌ للكروب، ، مبعدةٌ للشُّح، وفي القرآنِ مُذهبةٌ للخوفِ والحزن ، (( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) (سورة البقرة:262 ) الصدقةُ يُداوى بها المرضى ، وينتفعُ بها الموتى ، ويُتقى بها من الشحِّ والبخل والأثرةِ للأحياء، فإنَّ المتصدقين يُواسون إخوانهم المسلمين، وبها يُداوون مرضاهم، ويحسنوا إلى أنفسهم وموتاهم، واللهُ تعالى يجزي المتصدقين، ويخلفُ على المنفقين
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان ، وحين يكونُ الحديثُ عن المُسكناتِ في الأزماتِ، فلا بدَّ أن يكون للعلمِ النافعِ تعلّما وتعليماً ونشراً، نصيبٌ وافر، فالعلمُ نورٌ يضيءُ للسالكين ، وهو خشيةٌ يقطعُ الخوفُ إلاَّ من ربِّ العالمين ، والعلمُ طريقٌ إلى الجنة، وهو سببٌ للأمنٍ والطمأنينة، والعلماءُ الربانيون أعرف الناسِ في الفَتن، وأقدرُهم على تسكينِ الناسِ حين المخاوف والمحن، (( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) ) (سورة النساء:83)
والعلماءُ أعرفُ الناسِ بسننِ اللهِ في الكون ، وأعلمُ الناسِ بحركةِ التاريخ ومصائرِ الأمم ، ولذا فتعلمُ العلم ، ونشرُه ، والقربُ من العلماءِ ومشورتُهم، كلّ ذلك مُسكِّنٌ في الأزمات ، وهو في غيرها من بابِ أولى
9-أيُّها الناس ، وليس كلُّ ما يُسمعُ بصحيح ، والتثبتُ في الأخبارِ والتروي في الموقفِ مسكن ، ولوسائلِ الإعلامِ أثرُها في الإرجافِ والتخويفِ، ولا سيما إذا كان العدوُّ مستحوِذاً على المعلومةِ، ينشرُ منها ما يشاء، فاحذروا التهويلَ الإعلامي، ولا تكونوا أداةً للترويج والترويعِ بما لا يصحُّ ولا يثبت ، وحَسْبُ المرءِ كذباً أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع، وفي القرآن تنويهٌ وتوجيه، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) ) (سورة الحجرات) توكلوا على اللهِ وآمنوا به ، وكونوا كمن قال اللهُ عنهم: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (سورة آل عمران: 173 ) فلا تستفز نَّكم الأخبار الكاذبة، ولا يستخفنَّكم الذين لا يُوقنون .
10-والمُسكِّنُ العاشر، تثمينُ المكاسبِ الحاصلةِ في هذهِ الأزمات، وتقديرُ المنحِ الربانيةِ على إثرِ المحنِ والنكبات ، فما من شرٍ صرفٍ، وقد يبتلى اللهُ عبادَهُ بالضراءِ ليعافيهم، ويجزيَهم ويرفعَ درجاتهم، فضلاً عمَّا يقعُ في هذه النكباتِ من خيرٍ عامٍ للمسلمين، تتوحدُ كلمتُهم، وتتقاربُ قولبُهم، ويتوبون إلى ربهم، ويدعُونه خوفاً وطمعاً، ويستغفرونهُ سِراً وجهراً ، ويصححون مسارهم ، ويتفقدونَ مسيرتهم ، ويُخططون بوعيٍ لمستقبلهم ، وهذهِ المكاسبُ وأمثالهما إذا ثمنت ورُوعيت، كانت من أعظمِ المُسكناتِ وأقوى العلاجاتِ، وفي التنزيل إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ )) (سورة آل عمران:142,141) .
(( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) ) (سورة البقرة: 216) .
11-ومن المُسكناتِ معرفةُ الأعداءِ على حقيقتهم، والحذرُ منهم، والاستعدادُ لهم ، فللأمةِ المسلمةِ أعداءٌ ينكشفون أكثرَ في الأزمات، منهم الظاهرُ بعداوته ، ومنهم المُنافقُ، وإذا كان خيرُ القرون قيلَ لهم (( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (سورة آل عمران:166 ) فغيرُهم من بابِ أولى، ففي الأزمات يُميزُ اللهُ الخبيثَ من الطيب ، ويتبينُ الصادقُ من الكاذب، وهكذا تستبينُ سبيلُ المجرمين ، ويظمأنُ لقضاءِ اللهِ وقدره المؤمنون ، وتسكنُ النفوسُ إذ تعرفُ أعداءَها ، وتستعدُّ لمقاومتهم .
12-ومن المُسكناتِ الوقوفُ على سير الأنبياءِ وجهادِهم وثباتِهم ، وما تعرَّض لهُ المؤمنون في تاريخهم ، وإدراك سُنَّةِ اللهِ في الابتلاءِ والحكمةِ من ورائها، (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) (سورة العنكبوت: 2,3) .
13-وأخيراً- وليس آخراً دونكم هذا المُثبت، فتدبروه ولازموه ، إنَّهُ حبلُ الله المتين ، وكتابُهُ المُبين ، هدي وشفاء، ونورٌ وبرهانٌ بصائرُ للناس ، ورحمةٌ للعالمين ، (( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ) (سورة النحل: 102) .
(( كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) ) (سورة الفرقان: 32) .
آهٍ على المسلمين كم ضيعوا كتابَ ربِّهم، وفيه ذكرُهم وتقواهم ،وسرُّ تفوقهم، ودليلُ أعدائهم ، كم هجروهُ تلاوةً ، أو حكماً ، أو كليهما، وهو المنقذُ لهم في الأزمات، والهادي لمسيرتهم حين تدلهمُ الخُطوبُ، وتحلولكُ الظلمات، يُتلى على مسامعهم صباحَ مساء، ولكنَّ القلوبَ عنهُ شاردة ، وكم يتقدمون به في مُناسباتهم ، ولكنَّهم يغيبون عنهُ ، حين أزماتهم يخافُ منهُ الأعداء، ولا يُثمِّنَ المسلمونَ خوفَ الأعداء ، إنَّهُ كتابٌ مفتوح، يقرأ المسلمون فيه أسبابَ النصر ، وعواملَ الهزيمة ، وسِرَّ النجاح ، وأسبابَ الفشل، ومصدرَ القوةِ، ومكمنَ الخطرِ، ناصحٌ للمؤمنين ، ومبشرٌ لهم ، ومغيظٌ للكفار ، ومتوعدٌ لهم، فهل يتمسكُ المسلمون بالذي أوحيَّ إلى نبيهم؟ وهل يتذكرونَ أنَّهم سيُسألون عنه ؟
وهل تكونُ الأزماتُ سبباً لمزيدِ إقبالهم عليه، (( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ) (سورة محمد:24) .
اللهمَّ أهدنا بهدايةِ القرآن ، واشفنا بشفاءِ القرآن ، واجعلهُ لنا هادياً ودليلاً .
هذه - معاشرَ المسلمين -مُسكِّناتٌ ومسلياتٌ في الأزمات ، وهي كذلك أمورٌ إيجابيةٌ في جميع الحالات، إنَّها تسكنُ ولا تفتِّر، وتُطمأنُ وتُثمر، ولا تدعو للإتكاليةِ والكسل ، وهي ليست ظنيةً ، تُصدِقها التجارب، بل ثابتةً أكيدةَ المفعول ، ولكنّ شرطَها الإيمانُ والتصديقُ خذوها بقوةٍ ، ولتكن سنداً للعملِ المُثمر في الدنيا ، وزاداً للآخرةِ، كم نئنَّ ونتناولُ من مسكناتٍ تمتلئُ بها صيدلياتنا، ورُبما سكنَ الألمُ ثُمَّ عاد، لكننا قد نغفلُ عن هذهِ المسكنات الإيمانية، وهي في متناولِ أيدينا، فلا يكن حالُنا
كالعيسِ في البيداءِ يقتلُها الظمأ والماءُ فوقَ ظُهورها محمولٌ