الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
ملخص الخطبة
1 ـ مضاعفة الحسنات وتفاوت ذلك. 2 ـ السيئة لا تضعف وقد تعظم في الأماكن أو الأزمنة الفاضلة. 3 ـ الهم بالحسنة والهم بالسيئة. 4 ـ دور النية في العمل.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فإن مما ينبغي للعبد إدراكه ومعرفته هو عظيم لطف الله بعباده وواسع رحمته عز وجل وعظيم مغفرته وتكثير الحسنات ومضاعفتها إلى أضعاف كثيرة، حتى مجرد الهمّ والتفكير في العمل الصالح يكتبه الله عز وجل حسنات، وفوق ذلك كله منة عظيمة وفضل واسع، قليل من يتدبره ويفقهه، لو همّ هذا العبد بسيئة ولكنه لم يعملها خوفاً من الله فإنه سبحانه وتعالى يكتبها عنده حسنة كاملة، فلله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه سبحانه وتعالى، فهل يهلك بعد ذلك على الله إلا هالك؟
وما الذي جعل المسلمين ينشغلون عن آخرتهم بدنياهم وبما لا فائدة فيه، إنه الشيطان الرجيم، العدو المبين الذي حذرنا منه ربنا تبارك وتعالى، ولكننا ننسى أو نتناسى الإكثار من عمل الصالحات التي سوف نكون في أشد الحاجة إلى حسنة واحدة منها في يوم تشخص فيه الأبصار، يوم لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات و السيئات، يوم لا تنفع ساعات الندم والحسرة، فهل أحد منا جعل هذا الحديث الشريف التالي ذكره وغيره نصب عينيه في جميع أقواله وأعماله للازدياد من عمل الخيرات ومضاعفة الحسنات؟ وهل أدركنا اللطف الإلهي بنا؟ وهل تأملنا في واسع مغفرة الله ورحمته بنا؟
قال تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأنعام:160] . فهذه الآية الكريمة جاءت مفصلة لما أجمل في قوله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [القصص:84] . وفي قوله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] .
روى الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى قال: (( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ،وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) ). وفي رواية للإمام مسلم زيادة في آخر الحديث بعد قوله: (( وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة أو محاها ولا يهلك على الله إلا هالك ) ). وروى الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يقول الله للملائكة: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ) ).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) ). وفي رواية مسلم بعد قوله: (( إلى سبعمائة ضعف ) )، (( إلى ما يشاء الله ) ).
وقد وردت أحاديث متعددة في هذا المعنى، وتضمنت نصوصها كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والسيئة. فهذه أربعة أنواع وهي كما يلي:
النوع الأول: عمل الحسنات فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ،ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها ملازم لكل الحسنات أياً كانت من صلاة أو ذكر أو دعاء أو قراءة للقرآن أو برٍّ أو إحسان مهما كان قليلاً أو كثيراً. ودليله قوله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] . وأما الأحاديث فكثيرة، منها ما سبق ذكره، ومنها ما لا يتسع المقام لإيراده.