فهرس الكتاب

الصفحة 2627 من 9994

وأما الزيادة والمضاعفة على العشر حسنات لمن شاء الله أن يضاعف له إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فدل عليه قوله تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] . فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والشاهد قوله تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وكذلك أحاديث منها ما تقدم ومنها ما ورد في صحيح مسلم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة ) ).

والنوع الثاني: هو عمل السيئات فتكتب السيئة بمثلها من غير مضاعفة في العدد بل تكتب سيئة واحدة مثل التي عملت. قال تعالى: وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأنعام:160] . وكما ورد في عدة أحاديث بألفاظ مختلفة منها: (( وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) )وفي الحديث الآخر: (( فإن عملها فاكتبوها بمثلها ) ). وفي رواية أخرى: (( فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ) ). وفي هذه الأحاديث والآية إشارة واضحة إلى أنها غير مضاعفة العدد وإنما تكتب سيئة واحدة مثل التي عملت. وقد تكون السيئة عظيمة لشرف الزمان والمكان مثل رمضان، والأشهر الحرم، ومثل السيئة في مكة المكرمة، لقول الله عز وجل: وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] . فالسيئة عظيمة في مكة والحرم وليست مضاعفة العدد، أما الصلاة والحسنات عموماً في المسجد الحرام فهي مضاعفة العدد كما ورد بذلك عدة أحاديث، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( صلا ة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) ). وفي رواية صحيحة أخرى: (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة ) ). وهذا إثبات للمائة ألف صلاة المذكورة في الأحاديث الأخرى من حيث مضاعفة العدد، أما السيئات في مكة والحرم فلا تضاعف، وإنما تكون عظيمة كالتي عملت، صغيرة كانت أو كبيرة كما ورد في الآية السابقة لشرف المكان.

وقد يضاعف العدد في الحسنات والسيئات نظراً لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه، مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أزواجه رضي الله عنهن كما ورد ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحياةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:74-75] . وقال تعالى: يانِسَاء النَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً [الأحزاب:30-31] .

النوع الثالث: هو الهم بالحسنات فتكتب حسنة كاملة وإن لم يعملها، ولننظر إلى التأكيد في الحديث بكلمة (( كاملة ) )لإثبات أن النية الصالحة والهم بفعل الحسنة وإن لم يعملها فسوف تكتب له حسنة كاملة بإذن الله. فالأجدر بنا أن نتسابق إلى الهمّ والحرص على الحسنات إذا لم نعملها أو لم نستطع القيام بها فإن أجرها ثابت إن شاء الله، والهمّ معناه: العزم الصادق والتصميم والحرص على العمل الصالح لا مجرد الخطرة التي تخطر على البال ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم ولا صدق بحيث لو تمكن من ذلك لم يعمله، والله أعلم. كما ورد في حديث أبي كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية فيقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يتخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم فيه لله حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً وهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء ) ). وكذلك الحديث: (( من سأل الله الشهادة بصدق نية بلّغَه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت