فهرس الكتاب

الصفحة 2628 من 9994

ولا ننسى الدلالة على عمل الخيرات وطرق كسب الحسنات لأي عمل من أعمال الخير والبر والإحسان التي يُبتغى بها وجه الله وما عنده سبحانه وتعالى من الثواب ورفعة الدرجات، فالدال على الخير كفاعله، كما ورد بذلك الخبر عن سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وفضل الله واسع وخزائنه ملأى، فلله الحمد والمنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدال على الخير كفاعله ) )وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ) ). وفي حديث آخر: (( من فطر صائماً كان له من الأجر مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء ) ).

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله صحبه.

أما بعد:

فإن النوع الرابع الوارد في الحديث هو الهمّ بالسيئات من غير عمل لها، وإن كان هذا الترتيب في توضيح هذه الأنواع غير مرتب على ألفاظ الحديث، ولكن المهم هو الإيضاح، وأوجز ما سبق فيما يلي:

أولاً: الهمّ بالحسنات مع العمل.

ثانياً: الهم بالسيئات مع العمل.

ثالثاً: الهمّ بالحسنات مع عدم العمل.

رابعاً: الهمّ بالسيئات مع عدم العمل بها.

وهذا النوع يكتبه الله عز وجل عنده حسنة كاملة، ولكن تارك السيئة ليس على كل حال تكتب له حسنة كاملة، وإنما ذلك على تفصيل وأقسام، منها: إما أن يكون تركه لها لله خوفاً منه، فهذا تكتب له حسنة كاملة لارتداعه وكفّه عنها خوفاً من الله تعالى، فهذا عمل ونية، ولذلك ورد في بعض ألفاظ الحديث ومنها رواية أبي هريرة رضي الله عنه: (( إنما تركها من جرائي ) )يعني من أجلي كما ورد في الرواية الأخرى. وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم به من المعصية فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة كاملة، لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح، وهذا قد يبلغ به خوفه من الله تعالى وتركه لعمل السيئة بعد مقدرته العمل بها مرتبة الإحسان، ويدخل في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ومعلوم حديث السبعة الأصناف في ذلك، ومنهم: (( رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ) )وحديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم عندما سدت عليهم الصخرة فتحة الغار وفيهم الرجل الذي تمكّن وقدر على فعل الزنا بابنة عمه، وعندما ذكّرته بالله تعالى ترك ذلك خوفاً من الله، فعمله ذلك كان سبباً ووسيلة وعملاً صالحاً أنقذه مع زميليه في الغار الذي سُدّت عليهم فتحته بالصخرة.

والقسم الثاني: تارك السيئة نسياناً وذهولاً عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم يعمل شراً ولم يتكلم به. لما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ) ).

أما القسم الثالث لتارك السيئة: فهو الذي يتركها عجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها ولكنه لم يتمكن من فعلها، فهذا بمنزلة فاعلها، لأنه كان حريصاً على فعلها وإن لم يفعلها، وحرصه إما أن يكون بنيته في قلبه على عملها أو تكلم بها، ودليل ذلك كما ورد في عدة أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ) ). وكذلك الحديث الذي تقدم ذكره والذي تمنى فيه منزلة الذي رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فتخبط في ماله بغير علم ولم يتق فيه ربه ولم يصل فيه رحمه ولم يعلم أن لله فيه حقاً، فهو بأخبث المنازل، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي تمنى ذلك بقوله: (( وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً وهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء ) ).

فعلى كل مسلم أن يحرص على عمل الحسنات وإن لم يعملها ليكتب له الأجر مثل فاعلها، ويدل على الخير، فالدال على الخير له من الأجر كفاعله، وَلْيَسْعَ في أبواب الخير المتعددة وإن لم يتمكن منها،فحسبه نيته الصالحة وحرصه الحسن، ففضل الله واسع، وما عند الله خير وأبقى، وإن همّ بسيئة فليرتدع عنها ولا يتكلم بها وليتركها مخافة الله عز وجل حتى تكتب له حسنة كاملة، فما أكثر أبواب الخير وما أعظم أبواب كسب الحسنات حيث يستطيع المسلم أن يأتي بالملايين من الحسنات في يوم واحد نظراً لمضاعفة الأجر. نعم الملايين وليست الألوف ومضاعفاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت