فهرس الكتاب

الصفحة 3527 من 9994

#القرآن نور الأنوار

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

حديثنا موصول عن منبع الهداية ومعلم النور الذي به حياة القلوب ، وسكينة النفوس ، ورشد العقول ، واستقامة الجوارح ، وطيب الحياة الدنيا ، ونجاة الحياة الآخرة .

كتاب الله - سبحانه وتعالى - كلامه العظيم حكمته البالغة شريعته النافعة ، ذلكم في سياق حديثنا عن المبادئ التي هي أعظم أسباب القوة ، وأول أسباب النهوض ، وعندنا مبادئنا وعقائدنا وشرائعنا مصدرها الأول ومنبعها الأعذب .

كتاب الله - سبحانه وتعالى - وقفنا لننظر ما السر في نكوصنا وهزائمنا وضعفنا رغم ثبات مبادئنا ، ورسوخ عقائدنا ، وحفظ كتابنا ! ذلكم أن الصلة بيننا وبينه وأن الأمر المطلوب منا له ومعه وبه وفيه يشهد نقصاً عظيماً وخللاً كبيراً .

وقد أشرنا إلى أن المهم الذي ينبغي أن نحرص عليه ، والواجب الذي نركز فيه هو الفهم لكتاب الله ، واليقين بما جاء فيه ، وقد قدمنا لذلك تعظيما لكتاب الله - سبحانه وتعالى - وبيانا للأسس الجامعة والقضايا الكلية التي ينبغي أن تلج إلى قلوبنا لتتهيأ للإقبال على هذا الكتاب العظيم كلام رب العالمين .

ولعلنا اليوم ما نزال في حاجة ماسة إلى قضية الفهم والتدبر ؛ حتى نأخذ منها حظاً وافراً يقودنا إلى قوة اليقين ، وعظمة الاعتقاد بكل ما جاء في كتاب الله - سبحانه وتعالى - من غير شك ولا اضطراب ، ومن غير حيرة ولا تردد .

الفهم والتدبر والخشوع والتأثر والخضوع والتمثل هذه مدخلها الفهم والإقبال على القرآن إقبالا صحيحاً فهم يقود إلى تدبر وخشوع يقع به التأثر وخضوع واستسلام .. يقع به الاستجابة والتمثل لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أما الفهم والتدبر فآياته وأحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته فيه عظيمة .. { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } .

والتفكّر في آياته المسموعة وآياته المشهودة ، ولهذا أنزل الله القرآن ليُتدبر ويُتفقه فيه ويُعمل به ، لا لمجرد التلاوة مع الإعراض عنه ، كما ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله - وأما مسألة الخشوع والتأثر فنستمع إلى آية من كتاب الله: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .

ووصف الله - عز وجل - للمتأثرين الخاشعين بقوله:

{ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } .

قال ابن تيمية - رحمه الله -:"إن خشوع القلب للقرآن واجب ، ولابد أن نستحضر ذلك الوصف الذي وصفته أسماء في المتفق عليه عندما قالت رضي الله عنها:"كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تليت عليهم الآيات كان وصفهم كما جاء في كتاب الله تدمع أعينهم وتخشع قلوبهم تصديقا لما جاء في هذه الآيات العظيمة"."

وأما الخضوع والتمثل فهو الغاية النهائية الاستجابة الحقيقية ، والامتثال الصادق يقول فيه جل وعلا: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .

الخشوع الحقيقي هو الانقياد للحق ، ومن موجبات الخشوع الاستجابة والعمل وفي حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

( يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به تقدمه البقرة وآل عمران) ثم وصفهما النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال: (تحاجان عن صاحبهما) .

وشاهدنا قوله: ( أهل القرآن الذين يعملون به ) ، أولئك هم المنتفعون .. أولئك هم المستحقون لشفاعة القرآن .. أولئك الذين حيت به قلوبهم ، وقويت به عزائمهم ، ورشدت به عقولهم ، واستقامت به أحوالهم ، وكان حكماً فيما بينهم ، وفصلا فيما يقع منهم من خلاف تصديقاً لكتاب الله سبحانه وتعالى ، قال القرطبي رحمه الله:

فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه ، ويتذكر ما شرح له فيه ، ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحييه ؛ فإنه قد حمل أعباء الرسل ، وصار شهيداً في يوم القيامة على أهل الملل ) .

ليس أمرا هيناً كلام الله - عز وجل - .. كتابه وهدايته الأخيرة للناس الذي تكفل بحفظه ، فلذلك ينبغي أن يكون هذا هو الأصل الذي نتعامل به مع القرآن ، حتى يحدث في نفوسنا أولاً التأثير المنشود ، ثم يفيض على قلوبنا ونفوسنا إلى واقع حياتنا لنتحرك به ، ولنحرّك به واقعنا ، ونقوم به اعوجاجنا ، ونستدرك به نقصنا ، ونكمل به ما وقع من خلل في حياتنا ، وذلك هو التأثير المنشود الذي عندما فقدنا كثيراً منه ظلّ القرآن في حياتنا ، كأنما هو غائب شاهد ، وكأنما هو قد عطل في واقع نفوسنا وقلوبنا فتعطل في واقع حياتنا وأحوالنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت