فهرس الكتاب

الصفحة 2434 من 9994

#التوبة وفضلها

إعداد- محمد رزق ساطور

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وبعد:

فهذه هي الحلقة الأولى عن التوبة، نبدأها بالحديث عن فضل التوبة، فنقول:

أولاً: قال ربنا جل ذكره: إن الله يحب التوابين {البقرة:222} .

قال القاسمي:"وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه". وقال الزمخشري:"إن الله يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب".

ومحبة الله للتوابين دليلها فتح الباب لهم لئلا يقنطوا من رحمة الله سبحانه فيقبلوا عليه، ويلوذوا ببابه، لينالوا من فضل التوبة وبركتها.

ثانيًا: قال سبحانه: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما {النساء: 17، 18} .

وفي هاتين الآيتين بشارة لمن أراد التوبة، وَفَتْحُ بابِها إلى قبيل الموت، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". وقوله:"ما لم يغرغر". أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فتكون بمنزلة الشيء يتغرغر به، أي ما لم يتيقن الموت لأن التوبة المقبولة هي التي تكون قبل الموت، أما عند تحقق وقوع الموت فلا يعتد بها.

قال الشيخ حافظ بن حكمي:

وتقبل التوبة قبل الغرغرة

كذا أتى في الشرعة المطهرة

ولذلك اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم". وقال الثاني: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم". فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة". {والضحوة ارتفاع أول النهار، وقيل: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى حين تشرق الشمس. لسان العرب: ص2559} . فقال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". {أخرجه أحمد}

فمن فضل الله على عباده أنه أذن لهم في التوبة وفتح بابها ما لم يأت الموت وتنتهي الحياة، كما أنه جل شأنه رغب في التوبة قبل أن يأتي الموت، وحتى لا يقول العبد حين يعاين الهلاك بعد الموت: رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت {المؤمنون: 99- 100} ، عند ذلك يأتيه الرد القاطع الذي يليق بحاله: كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون {المؤمنون: 100} .

ثالثًا: قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار {التحريم: 8} ، فالله تعالى يرغب أهل الإيمان في التوبة، لأنهم هم الذين يستجيبون لأمره ولأنهم هم أحق الناس بالتوبة، أي بالرجوع إلى الله، ونيل ثواب التوبة الذي لا يحصل عليه إلا أهل الإيمان، وكذلك رغبهم سبحانه دون غيرهم، وهذا لاختصاصهم بالفضل وتوجيههم للخير، وحضهم على التوبة النصوح، قال مجاهد: النصوح أن يتوب من الذنب فلا يعود إليه، قيل: توبة نصوح أي صادقة يقال نصحته: أي صدقته، وقيل: نصوح: أي بالغة في النصح، مأخوذ من النصح وهو الخياطة، كأن العصيان يخرق والتوبة ترقع، والنصح: الخيط، وقيل: نصوحًا أي خالصة، يقال: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له: أخلص له القول.

{شرح السنة للبغوي 5-81}

وقال القاسمي: أي توبة ترقع الخروق، وترتق الفتوق، وتصلح الفاسد، وتسد الخلل. {محاسن التأويل للقاسمي: 16-5868} . وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك

الجوارح، وإضمار أن لا يعود.

وقال القرطبي: اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولاً، فقيل: هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن في الضرع، وروى عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال فتح الموصلي: علاماتها ثلاث: مخالفة الهوى وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ، وقال سهل بن عبد الله التستري: هي التوبة لأهل السنة والجماعة لأن المبتدع لا توبة له بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب".

{الطبراني في الأوسط 4360}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت