فهرس الكتاب

الصفحة 2435 من 9994

وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه، وأصل التوبة النصوح من الخلوص، ويقال هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وقيل: هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة، وفي أخذا منها وجهان: أحدهما: لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما تحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه، والثاني: لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه إلى بعض.

فهذه التوبة النصوح أي التي لا يتاب منها من فضلها أنها تكفر الذنوب والخطايا وسبب من أسباب دخول الجنة، ولذلك قال جل شأنه: من تاب وآمن

وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما، وقال جل شأنه: إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا، وقال سبحانه: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ليتمنين أقوام لو أكثروا من السيئات قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات".

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل شيء يتكلم به ابن آدم فإنه مكتوب عليه فإذا أخطأ خطيئة فأحب أن يتوب إلى الله عز وجل فليأت رفيقه فليمدد يديه إلى ربه عز وجل ثم يقول: اللهم إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبدًا فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك". {اليبهقي في السنن الكبرى: 10-154}

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فتعرض عليه صغار ذنوبه وتنحى عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: أين لي ذنوب ما أراها هاهنا؟ قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه". {مسلم: 1-177}

انظر إلى حال ذلك الرجل وهو مقر لا ينكر من صغار ذنوبه التي تعرض عليه شيئًا وهو مشفق من كبار ذنوبه، وهو لا يتلكم ولا يذكر شيئًا سورى الإقرار لأنه يخشى أن تظهر الكبار، فلما سترها الله عليه وجاءت رحمة الله رب العالمين ليعطى مكان كل سيئة حسنة، عند ذلك فقط سأل عن كبار ذنوبه راجيًا الثواب لتبدل هي الأخرى حسنات، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من طمع ذلك العبد في رحمة ربه، بعد أن كان مشفقًا على نفسه من الكبار، طلبها حتى تزداد حسناته فسبحان الذي بدل السيئات حسنات بعفوه وكرمه وإحسانه.

قال أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت من عمل الذنوب فلم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داحة إلا أتاها فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: فأما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن، قال: وغدراني وفجراني، قال: نعم. قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى.

فالتوبة النصوح تذهب السيئات وتمحوها بفضل الله وعفوه وكرمه بل تتبدل السيئات إلى حسنات، ويجعلها الله تعالى سببًا في دخول الجنة التي وعد الله عباده، وهذا يدل على فضل وشرف ومنزلة التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت