فهرس الكتاب

الصفحة 8275 من 9994

فإنه يؤدي إلى نقيض هذا الأمان، فيعرضهم للمخافة، ويغري بهم الأعداء، ويفقدهم العون والنصير، بل ويعود عليهم بالفقر والبوار.

(( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) ) (سورة القصص: 57 ) .

أي منطق معكوس هذا الذي تقوله قريش!!

وأي مغالطة ومخادعة هذا الذي يتحدثون عنه؟!!

إنَّ قريشاً تبدل الحقائق- مخادعة منها- حيث إنها تفصل بين الهدى والأمان،مع أنهما متلازمان. فهي تزعم أنها إن اهتدت وآمنت بالله خافت وزال عنها الأمان.

ولقد جاء الجواب- على هذه الدعوى- سريعاً وقويا وحاضراً. فقال تعالى: (( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) (سورة القصص: 57) .

فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله، والله هو الذي مكَّن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم. أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! بل إنه تعالى أنعم عليهم- مع الأمن- بالرزق الذي يأتيهم ويجبى إليهم من كل مكان، مع أن بلادهم ليست بلاداً زراعية. (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ): لا يعلمون أين يكون الأمن ؟ وأين تكون المخافة، ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله.

إن زوال الأمن ومجيء الخوف يكون حين يكفر بالله ولا تشكر نعمه التي من أغلاها نعمة الأمن والرزق. ولذا قال تعالى بعد الآية السابقة- في احتجاج قريش والرد عليهم-: (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) ) (سورة القصص: 58) .

درس وعبرة لنا: ولكن ...هل هذا منطق قريش وحدهم؟

هذا القول القرشي الباطل، كم نجد من يردده هذه الأيام... إن الكثيرين إذا دعوا إلى الإيمان والالتزام بالاسلام في جميع جوانب الحياة...

قالوا لك بمنطق قريش (( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) ) (سورة القصص: 57 ) .

إن تطبيقنا للإسلام سيفقدنا الأمن والأمان ؛ لأنه سيثير علينا الحروب والفتن والاضطرابات في الداخل والخارج، وستحاربنا الدول الكافرة جميعها، وسنخسر صداقتها وودها ودعمها لنا، بل ستنقض علينا وتزيل أمننا واستقرارنا. إن تطبيق الإسلام سيجر علينا هذه الويلات.

إن هذا المنطق المعكوس- القديم والحديث- يجب أن نقف عنده وقفة تأمل كبرى

في مسيرتنا نحن المسلمين اليوم.

وقد بقيت في التجربة القرشية بقية: فما الذي وقع حين استجابت قريش فيمابعد لداعي الهدى ودخلوا في دين الله أفواجاً مع غيرهم من القبائل؟

هل زال أمنها كما كانت تحتج ؟ هل أصابها الخوف؟ هل تسلطت عليها الدول الكبرى كما كانت تخاف؟

لا، إن قريشاً حين اتبعت الهدى رجع إليها أمنها أقوى مما كان، بل سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من أزمان. وصارت- بما معها من عقيدة ومنهج حياة- تنشر الأمن والعدل في كل بلد تفتحه

كثيراُ ما يقرن العلماء والموجهون وغيرهم بين امتحان الدنيا والآخرة، وهذه _ بلا شك _ مقارنة وربط صحيح، خاصةً عند المؤمن الموقن بالحياة بعد الموت، وبالحساب والجزاء، كما وصف الله في كتابه، ووصف رسوله- صلى الله عليه وسلم-، ولا شك أنَّ بين الامتحانين بوناً شاسعاً بل لا مقارنة .

والدعاة والمربون حينما يُركزون على هذه المقارنة، فواضحٌ أنَّ هذا ليس من باب التهوين من شأنِ هذه الامتحانات المدرسية. وطلب عدم الاستعداد لها، لأنَّهم مثل غيرهم يهتمون بها، وخاصة بالنسبة لأولادهم وأقاربهم, وإنَّما جاءت المقارنة لأمور:

-الاهتمام الذي لا حدَّ له في الامتحانات الدنيوية، يقابلهُ عند البعض إهمال لا حدَّ له، فيما يتعلق بالاستعداد لامتحان الآخرة.

-أن من مظاهر الاهتمام في الامتحانات الدنيوية: حبس الأولاد عن التمتع باللهو واللعب، ومتابعة ما يهوونهُ من الكرة والمسلسلات، وبالمقابل قصرهم على ما يكرهون- وهي المذاكرة _وكفى بها مشفقة.

-وفي مقابل هذا _ فيما يتعلق في امتحان الآخرة _ نجد العكس تماماً، تركهم يلهُون ويعبثون حتى ولو أدَّى ذلك إلى ضياع دينهم وأخلاقهم .

وإذا جاءت المشقة للعبادة من صلاة ونحوها، رحمناهم بسبب البرد، رحمناهم لأنَّهم ناموا متأخرين، وهذه مفارقات عجيبة.

بل أننا نمارس هذا طوال العام الدارسي: ففي صلاة الفجر لا نوقظهم لكونهم ناموا متأخرين، أو من أجل البرد، ولكن بعد ذلك بنصف ساعة أو تزيد قليلاً نوقظهم للمدارس ولو كان برداً شديداً.

-وفي الامتحان نفسه يمارس المربون ما هو واجبٌ عليهم من نظام الامتحانات، ألا وهو مسؤولية كل طالب على نفسه، فالغش ممنوع، ولا أحد يعين، وبالمقابل في الاستعداد لامتحان الآخرة، نترك أولادنا ولا نراقبُ أحوالهم مهما خالفوا الأوامر أو وقعوا في المحرمات .

وبسبب هذا التناقض العجيب، كم من شابٍ تحول إلى تارك صلاة ، زنديق لا يؤمن بيوم الحساب، مستهزئ بدين الله تعالى وشريعته، وهو من أسرة فاضلة، معروفة بالصلاح والاستقامة.

-وفي النتائج نفرحُ بنجاح أولادنا، ( ذكوراً وأناثاً ) ، وحق لنا أن فرح ونكافئهم بالجوائز الثمينة، وبالمقابل لا تجد الفرح ذاته إذا استقاموا وصاروا من رواد المساجد، أو المقبلين على حفظ كتاب الله، أو طلب العلم الشرعي .

والخلاصة: أننا صرنا فيما يتعلق بهذين الامتحانين: امتحان الدنيا وامتحان الآخرة نكيل بمكيالين: أي أنَّ عندنا ازدواجية في المعايير كما يقولون: ففي امتحان الدنيا _ أو الدنيوي _ نصدر القرارات وننفذها، ونتابع تنفيذها، بل ونعاقبُ كلُّ من يتعرضُ أو يتساهل في تنفيذها، وفي سبيلِ ذلك نحشدُ كافة القوى الممكنة .

-أما في الاستعداد لامتحان الآخرة (على خطره وأهميته ) .

-فأحياناً لا نصدر القرارات، وإذا أصدرناها لا ننفذها.

-وإذا تابع بعضنا تنفيذها، فكلُّ من يعرقل ذلك يلقى منا صمتاً مطبقاً، أو عتاباً كلامياً لا يقدمُ ولا يؤخر .

إننا بهذه الطريقة نغرسُ في نفوس أولادنا، أنَّ الدنيا هي الحياة، وأنَّ الآخرة لا قيمة لها، فكأننا نربي فيهم نوعاً من العلمنة، ونحن لا نشعر.

وصايا سريعة لأبنائنا وبناتنا ولأولياء أمورهم فيما يتعلق بالامتحانات:

* اجعل نصب عينيك قوله تعالى: (( واتقوا الله ويعلمكم الله ) ) [1] .

و اعلم أنَّ أهم ما في هذا أن يتحول علمك - سواء كان علماً شرعياً أو معيناً على ذلك ممَّا يسمى بالعلوم المادية، حيث لا انفصال بينهما في منهج الإسلام المتكامل - إلى علمٍ نافع لك ولأمتك .

والخوف هنا حاصل: فكم من علمٍ شرعي تعلمهُ صاحبه فصار حجةً عليه، ولم يعمل به فصار وبالاً عليه، قال الله تعالى: (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القول الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) ) [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت