عن أبي حُميدٍ الساعد ي- t- قال: (( استعمل رسول الله r رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم ، يُدعى ابن اللتبيه، فلما جاءَ يحاسبه قال: هذا مالكم وهذا أُهدي إلي، فقال رسولُ الله r: فهلاَّ جلست في بيتِ أبيك وأمِّك, حتى تأتيك هديتك إن كنتَ صادقاً؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه1, ثم قال: أمَّا بعد, فإنِّي استعمل الرجلَ منكم على العمل, ممَّا ولا ني اللهُ، فيأتيني فيقولُ, هذا مالكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، أفلا جلسَ في بيتِ أبيه وأمه, حتى تأتيه هديته, إن كان صادقاً ؟ واللهِ لا يأخذُ أحداٌ منكم منها شيئاً, بغيرِ حقِّه, إلا لقيَ اللهُ تعالى يحملهُ يوم القيامة فلا أعرفنَّ أحداً منكم لقي الله يحملُ بعيراً لهُ رغاء، أو بقرةً لها خوار, أو شاةً تيعر، ثم رفعَ يديه, حتى رؤي بياض إبطيه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني ) ) (6) أخرجه مسلم. وفي صحيح مسلم كذلك: من حديثِ عدي بن عميرة الكندي قال, سمعتُ رسولَ الله r يقول: (( من استعملناهُ منكم على عملٍ, فكتمنَا مخيطاً فما فوق, كان غلولاً يأتي به يوم القيامة، قال: فقامَ إليه رجلٌ أسودٌ من الأنصار، كأني انظرُ إليه, فقال: يا رسول الله اقبل عنِّى عملك- وبالتعبير المعاصر, اقبل استقالتي من العمل- قال رسول الله r ومالك؟ قال: سمعتك تقولُ كذا وكذا قال- عليه الصلاة والسلام-: وأنا أقولهُ الآن: من استعملناهُ منكم على عملٍ, فليجئ بقليله وكثيرة ) ) (7) .
ويدخلُ في السرقةِ من بيتِ المالِ كذلك: ما يتقاضاهُ بعضُ الموظفينَ باسمِ خارج الدوام أو الانتداب، من غيرِ أن يقوموا بالمهمةِ فعلاً، وإنَّما تُدرج أسماؤُهم في مسيراتِ الرواتب, وهم جالسون في بيوتهم، وبعضُ الموظفين يتغيبُ عن عملهِ اليوم واليومين والثلاثة بلا عذرٍ شرعي, أو لا يستكملُ ساعاتِ الدوامِ الرسمي, فيعتادُ الخروجَ لقضاءِ مشاغلهِ الخاصة, معطلاً بذلكَ مصالحَ الناس، وحاجاتِ المراجعين, وهو مع ذلكَ كلهِ لا يتورعُ عن استلامِ مرتبه كاملاً غيرَ منقوص, وصدقَ اللهُ إذ يقول: (( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) )]المطففين:1-6 [ وقد يتعذرُ بعضُ أولئك الموظفين بأنّ رؤسائهُ يتغيبون عن العملِ، ونسي أولئكَ المساكين قوله تعالى: (( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) )] المدثر:38[ .
وقولهُ تعالى: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) )]الأنعام: 164 [ وقولهُ جل جلاله: (( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) )] الزخرف:39[ ويدخلُ في الغلولِ والسرقة من بيتِ مال المسلمين، ما يفعلهُ بعضُ مأموري المشترياتِ من تلاعبٍ بفواتيرِ الشراء, فتدونَ أرقامُ المشتريات بأضعافِ القيمةِِ الحقيقيةِ للسلع المشتراة، وبتواطئٍ من بعضِ الباعةِ الظلمة، فيكونُ فرقُ القيمةِ سُحتاً وغلولاً, يأكلهُ ذلك الموظفُ الخائن للأمانة، وهكذا ينساقُ بعضُ الناس خلفَ شهوةَ نفسه، وهوى قلبهِ، تُغريه حلاوةُ المال ولذَّته، فيتفانى في جمعهِ من أيِّ طريقٍ كان، لا يفكرُ أمن حلالٍ جمعَ مالهُ أم من حرام, أمَّا قولهُ- عليه الصلاة والسلام-: كلُّ جسدٍ من سُحت, فالنارُ أولى به, فهذا آخرُ شيءٍ يُفكرُ فيه، اللهمَّ جنبنا الكسبَ الحرام، اللهمَّ جنبنا السُحت والغلول, اللهمَّ أغنينا بحلالكَ عن حرامك، وبكَ عمن سواك.
باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم. واستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية
الحمدُ لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةَ المسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
فإنّ مصادرَ الكسبِ الحرام متعددةً ومتنوعة، وقد تفتقت عقولُ شياطينِ الإنس والجن, فاخترعوا ألواناً وأشكالاً، يصعبُ حصرُها فضلاً عن تفصيلها، وأنَا أذكرُ بعضُ تلك الكسب الحرام، حتى ييسرَ اللهُ جل جلاله, مناسبةً أخرى لتوضيحها وبيانها, وتحذيرِ الناسِ من شرها، وشرِّ الوقوعِ فيها, فمن ذلك، الربا وأمرهُ واضحٌ لا لبس فيه، ولهُ أشكالٌ وصور, كبيعِ العينةِ وغيرها ومن المكسبِ الحرامِ: الرشوة قال- عليه الصلاة و السلام-: (( لعن الله الراشي والمرتشي والرئشى بينهما ) ) (8) ، ومنها كذلك ، بيعُ الخمور, أو المخدراتِ أو الدخانِ, أو آلاتُ الفسادِ كالدشوشِ ونحوها, ومنها كذلك: ثمنُ الكلب, ومهرُ البغيِّ, وحلوانُ الكاهن، أي ما يتعاطاه الكاهنُ نظيرَ كهانته، ومنها كذلك: ثمنُ المجلاتِ الفاسدة, والصحفِ المنحرفة،. والأفلامِ الماجنة والأشرطةِ الخليعة.
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةٍ مضلة،
اللهمَّ زيِّنَا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنَّا في الأوطانِ والدور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفون وسلام على المرسلمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-رواه مسلم (1831) من حديث أبي هريرة t .
2-رواه الإمام أحمد (22766) من حديث عبادة بن الصامت t .
3-رواه البخاري (6329) من حديث أبي هريرة t .
4-رواه البخاري (2909) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
5-رواه أبو داود (2710) عن زيد بن خالد الجهني .
6-رواه مسلم (1832) عن أبي حميد الساعدي t .
7-رواه مسلم (1833) عن عدي بن عميرة الكندي t .
8-أخرجه احمد والبيهقي من حديث ثوبان.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه..
أمَّا بعدُ إخوةُ الإسلام: فإنَّ ثوبي الكبرياءِ والعظمةِ لله، لا ينبغي لأحدٍ من البشرِ مهما كان أن ينازعَ فيهما، قال اللهُ تعالى في الحديث القدسي ("الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار") ( [1] ) والظلمُ مرتعهُ وخيم، والمكرُ السيئُ لا يحيقُ إلاَّ بأهله، تلك معانٍ وحقائقَ يُعرضُها علينا القرآن في أكثرِ من مشهد، وغيرَ واحدٍ من المواقفِ والقصصِ في أخبارِ السابقين، ولكنَّها تتجلى بشكلٍ واضح، ويزدادُ تكرارُها في القرآن في قصةِ موسى- عليه السلام- وفرعونَ اللعين، بشكلٍ مُلفتٍ للنظرِ لمن تمعن في قصصِ القرآن، فلماذا يكثرُ ذكرُ قصةِ مُوسى- عليه السلام- مع فرعون في القرآن؟