وقد أجابَ أهلُّ التفسيرِ عن ذلك بأنَّها من أعجبِ القَصص، أمَّا وجهُ العجبِ فقالوا: إنَّ فرعونَ حذَّرَ من موسى كلَّ الحذرِ، فسخَّرهُ اللهُ أن ربَّى هذا الذي يُحذِّرُ منه على فراشهِ ومائدتهِ بمنزلةِ الولد، ثُمَّ ترعرعَ وعقدَ اللهُ لهُ سبباً أخرجهُ من بينَ أظهرهم، ورزقهُ النبوةَ والرسالةَ والتكليم، وبعثهُ اللهُ إليه ليدعوهُ إلى الله تعالى ليعبده ويرجعُ إليه، هذا مع ما كانَ عليه فرعون من عظمةِ المُلكِ والسُلطان، فجاءهُ برسالةِ اللهِ وليس لهُ وزيرٌ سوى أخيهِ هارون- عليه السلام- فتمردَ فرعونُ واستكبر وأخذتهُ الحميةَ والنفسَ الخبيثة الأبية، وركبَ رأسهُ وتولى بركنهِ، وادَّعى ما ليس له، وتهجمَ على اللهِ وعتا وبغى، وأهانَ حزبُ الإيمانِ من بني إسرائيل، واللهُ تعالى يحفظُ رسولهُ موسى وأخاهُ هارون- عليهما السلام- ويُحوطُهما بعنايتهِ ويحرُسهما
بعينهِ التي لا تنام، ولم تزل المُحاجَّةُ والمجادلةُ والآياتُ تقومُ على يدي موسى شيئاً بعد شيء، ومرةً بعد مرة، مما يُبهرُ العقولَ ويُدهِشُ الألبابَ مما لا يقومُ له شيء، ولا يأتي به إلاَّ من هو مُؤيدٌ من الله، وصمَّمَ فرعونُ وملأهُ- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله، والجحودِ والعنادِ والمكابرةِ حتى أحلَّ الله بهم بأسهُ الذي لا يُرد، وأغرقهم في صبيحةٍ واحدةٍ أجمعين، (( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ) ( [2] ) فهل من مُد كر؟ وكيف وقعَ الغرقُ؟ وما هي عاقبةُ الظلمِ والطغيان؟ وكيف نستفيدُ من قصصِ القرآن؟
تلك أسئلةٌ مهمةٌ، ومفتاحُ الإجابةِ عليها في أمثالِ قولهِ تعالى: (( وإذ فرقنا بكم
البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون )) ( [3] )
وفي قولهِ تعالى: (( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين* الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين* فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) ) ( [4] ) . وتأويلُ ذلك: أن بني إسرائيلَ حين خرجوا من مصرَ صُحبةَ موسى- عليه السلام- وهم فيما قيلَ سُتمائة ألف مُقاتل سوى الذُرية- ويُقال: إنَّ إسرائيلَ وهو- يعقوبُ عليه السلام- حين دخلَ مصرَ دخلها في ستةٍ وسبعين نفساً من ولده وولد ولده، فأنمى اللهُ عددهم، وباركَ في ذريتهم ( [5] ) وكان بنو إسرائيلَ حين خرجوا قد استعاروا من القبطِ (حُليَّاً كثيراً ومتاعاً، وأحلَّ اللهُ ذلك لبني إسرائيل) ( [6] ) فخرجوا به معهم، فاشتدَّ حنقُ فرعونَ عليهم، فأرسلَ في المدائنِ حاشرين، يجمعونَ له جنودهُ من أقاليمه، فركبَ وراءَهم في أُبهةِ عظيمةٍ وجيوشٍ هائلةٍ، لما يُريدُهُ اللهُ تعالى بهم، ولم يتخلف عنهُ أحدٌ ممن له دولةٌ وسُلطانٌ في سائرِ مملكته، فلحقوهم وقتَ شُروقِ الشمس، (وذكر الطبري أنَّ فرعونَ أُعلمَ أن موسى سرى ببني إسرائيلَ من أولِّ الليلِ فقال: لا يتبعهم أحدٌ حتى تصيحُ الديكة، فلم يصح تلك الليلةِ بمصرٍ ديك، وأماتَ اللهُ تلك الليلةِ كثيراً من أبناءِ القِبط، فاشتغلوا في الدفنِ، وخرجوا في الإتباع مُشرقين( [7] ) (( فلما تراءَ الجمعانِ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) )وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحلِ البحرِ وأدركهم فرعونُ لم يبق إلاَّ أن يتقاتلَ الجمعان، وألحَّ أصحابُ موسى- عليه السلام- عليه بالسؤالِ كيف المخلصُ مما نحنُ فيه؟ فيقولُ: إنِّي أُمرتُ أن أسلكَ هاهنا، (( كلا إن معي ربي سيهد ين ) )فعندما ضاقَ الأمرُ اتسع، فأمرهُ اللهُ أن يضربَ البحرُ بعصاه، فضربهُ فانفلقَ (( فكان كل فرق كالطود العظيم ) )أي كالجبلِ العظيم، وصارَ اثني عشرَ طريقاً لكلِّ سِبطٍ واحدة، وأمرَ اللهُ الريحَ فنشفت أرضهُ (( فأضرب لهم طريقاً في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) )وتخرَّقَ الماءُ بين الطُرقِ كهيئةِ الشبابيك، ليرى كلٌّ قومٍ الآخرين حتى لا يظنوا أنَّهم هُلكوا، وجاوز بنوا إسرائيل البحرَ، فلمَّا خرجَ آخرُهم منهُ، انتهى فرعونُ وجندهُ إلى حافتهِ من الناحيةِ الأُخرى (وعددهم فيما قيل ألفَ ألفَ ومائتا ألف) ( [8] ) ومعهم مائةَ ألفَ أدهم (فرس) سِوى بقيةِ الألوان، فلمَّا رأى ذلك فرعونُ هالهُ البحرُ وأحجم، وهابَ وهمَّ بالرجوع، وهيهاتَ ولا حينَ مناص، نفذَ القدرُ، واستُجيبتِ الدعوةُ، وجاءَ جبريلُ على فرسٍ ود يقٍ حائل (ويُقال إنَّهُ لم يكن في خيلِ فرعونَ فرسٌ أنثى، ويُقال أن جبريلَ جاءَ في صورةِ هامان، وقال لهُ:تقدم، ثُمَّ خاضَ البحرُ، فتبعهما حصانُ فرعون وميكائيل يسوقهم لا يشذُّ منهم أحد،( [9] ) ولم يبق فرعونُ يملكُ من نفسهِ شيئاً، فتجلدَ لأُمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيلَ بأحقِّ بالبحرِ منَّا، فاقتحموا كُلهم عن آخرهم، فلمَّا اجتمعوا فيه وتكاملوا، وهمَّ أولُهم بالخروجِ مِنهُ أمرَ اللهُ القديرُ البحرَ أن فارتطم عليهم، فأرتطم فلم ينجُ منهم أحد، وجعلت الأمواجُ ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواجُ فوقَ فرعونَ، وغشيتهُ سكراتُ الموتِ، فقال وهو كذلك (( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) )فآمن حيثُ لا ينفعهُ الإيمانُ (( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) ) ( [10] ) .
وهكذا قال اللهُ تعالى في جوابِ فرعون حين قال ما قال، (( آلآن وقد عصيت قبل ) )أي أهذا الوقت تقولُ وقد عصيتُ الله قبل، هذا فيما بينك وبينه (( وكنت من المفسدين ) ) ( [11] ) .
إخوةَ الإسلامِ:هذا الذي حكاهُ اللهُ عن فرعونَ في حالهِ ذاك، من أسرارِ الغيبِ التي أعلمَ اللهُ بها رسولهُ محمداً- صلى الله عليه وسلم- فلم يسمعها، بل رُبما لم يسمعها أحدٌ من خلقهِ بقي على الحياةِ بعد فرعون، ولكنَّ جبريل وقد حضرَ الواقعةَ، وسمعَ الكلمة، أوحى بها بأمرِ الله إلى نبيهِ محمد- صلى الله عليه وسلم- وبلَّغهُ كذلك بغيرها ممَّا وقعَ بينهُ وبين فرعونَ في لحظاتهِ الأخيرة، فقد أخرجَ الإمامُ أحمدَ والترمذي عن ابن عباسٍ- رضي اللهُ عنهما- قال قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: لما قال فرعونُ آمنتُ أنَّهُ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال: قال لي جبريلُ: يا محمد: لو رأيتني وقد أخذتُ حالاً من حالِ البحر (وهو الطينُ الأسودُ في قاعِ البحر) فدسستُه في فيهِ مخافةَ أن تنالهُ الرحمة )) ( [12] ) . تلك واحدةٌ من أسرارِ القرآن، وهي معدودةٌ في دلائلِ نبوتهِ- عليه الصلاة والسلام- حتى قال الطبري: (( وفي أخبارِ القُرآن على لسانِ محمدٍ- عليه الصلاة والسلام- بهذه المغيباتِ التي لم تكن من علم العربِ، ولا وقعتٌ في حقِّ بني إسرائيل إلاَّ دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل قائمٌ عليهم بنبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم( [13] ) .