والحادثةُ بمُجمَلها تُؤكدُ نهايةَ الطُغيان، وهلاكُ المجرمين، ونصرةُ الحقِّ، ونجاةُ المؤمنين، وإذا كانت هذه الحقيقةُ بارزةً في هذا المشهدِ، والحقُّ ينتصرُ على مشهدٍ من الناسِ في هذهِ الحياة، فليسَ ذلك شأنُ القصصِ كلهِ في القرآن، إذ ليسَ أمدُ النصرِ ينتهي في هذهِ الحياة: وليسَ معنى النصر مقصوراً على النصرِ المحسوس للناس، فقد ينالُ النصرَ فردٌ أو مجموعةٌ من الصادقين، وإن خُيِّل للناسِ أنهم قد استضعفوا أو أُهينوا أَو غلبوا في هذهِ الحياةِ الدنيا، أجل لقد انتصرَ الخليلُ- عليه السلام- على الطُغاةِ وإن قُذف في النار، وانتصرَ أصحابُ الأُخدودِ وإن حُفرت لهم الأخاديد وأُحرقوا، وانتصر الغلامُ المؤمنُ وإن كانت روحهُ قد أُزهقت على ملأ الناسِ الذي لم يتمالكوا أنفسهم وقالوا: آمنا برب الغلام.
وهكذا يبدو النصرُ أشملَ من صورتهِ الظاهرةِ المحسوسة، وينبغي أن يعلمَ الناسُ أنَّ الثباتَ على المبدأِ الحقِّ حتى الممات نصر، وأن نصرُ المبادئِ والقيمِ نجاحٌ ونصر، وينبغي ألاَّ يُصاب الناسُ بالإحباطِ إذا لم يشهدوا نصرَ الحقِّ وأهلهِ في هذه الحياةِ الدنيا، فليست هذه الدارُ نهايةُ المطاف، بل وليست أعمارُهم هم مستغرقةً لكلِّ هذه الحياةِ الدنيا، وقد يشهدُ أبناؤُهم أو أحفادُهم النصرَ الذي بُذرت بذورهُ الأولى في عهد آبائهم وأجدادهم، ولهذا أوحى اللهُ إلى نبيه- صلى الله عليه وسلم- فيما أوحى (( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) ) ( [14] ) ، وأوحى إليه أيضاً (( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ) ) ( [15] ) .
كلُّ ذلك حتى لا يستعجلُ النصرَ، ولا يتعلقُ به أكثر، وتعلقهُ بتهيئةِ أسبابهِ والصبرِ
على متطلباته.
تلكَ قيمةٌ كُبرى من قيم القرآن، وعبرةٌ عُظمى من عِبر التاريخِ، لابُدَّ من وعيها. وللهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعد، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الواحدُ القهار، ذي الجبروتِ والسلطان، وأشهدُ ألا إله إلا اللهَ وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ، اللهمَّ صلِ وسلم عليهِ وعلى سائرِ أنبياءِ الله ورسله، وارضِ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
إخوةَ الإسلام: ثمةَ دَرسٌ ثالث، وقيمةٌ كبرى نستفيدُها من قصصِ القرآنِ ألاَّ وهي الحفاظُ على النصر، ومضاعفةُ الشُكرِ حين تتضاعفُ النعم، وكما يمتحنُ اللهُ بالضعفِ والذلةِ والهزيمةِ والمطاردةِ، يمتحنُ كذلك بالقوةِ والعزةِ والنصرِ والتمكين، فمنَ الناسِ من يصبرُ حالَ الضعفِ والقلةِ، ولا يشكرُ في حالِ القوةِ والكثرة، والمؤمنونَ الصادقون: هم الذين يصبرون في الضراءِ، ويشكرون في السراءِ، قال -عليه الصلاة والسلام ("عجباً لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرهُ كلهُ لهُ خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتهُ ضراءَ صبر فكان خيراً له، وإن أصابتهُ سراءَ شكرَ فكان خيراً له") رواه مسلم.
ووصفَ اللهُ عبادهُ الذين يستحقون التمكينَ في الأرض ويستحقون النصرَ بقوله: (( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ) ( [16] ) .
وتعالوا بنا إخوةَ الإيمانِ لنقرأَ على عجلٍ شيئاً من تاريخِ هذهِ الأُمة التي نُصرت ورأت من آياتِ الله الباهراتِ ما رأت، هل قدرت هذا النصرُ وأورثها التُقى والهدى، وإتباع المرسلين، أم زاغت وحرفت وبدلت وآذت المرسلين؟.
إنَّ تاريخَ بني إسرائيل شهدَ من المعجزاتِ على يدي موسى- عليه السلام- ما لم تشهدهُ أمةٌ من الأُمم قبلهم، وشهدَ في الوقتِ نفسهُ من الحيلِ والصدودِ والإيذاءِ لموسى- عليه السلام- ما يجلُّ عن الوصف، وحُذرت هذه الأمةُ أن تسلكَ مسلكهم، (( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) ) ( [17] ) .
وإليكم طرفاً من سيرتهم: ذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ عن قيس بن عباد، أنَّ بني إسرائيل قالت: وما مات فرعونُ وما كان ليموت أبداً، فلمَّا أن سمعَ الله تكذيبهم بنبيهِ- عليه السلام- رمى به على ساحلِ البحر كأنَّهُ ثورٌ أحمر يتراء هُ بنو إسرائيل، فلمَّا اطمأنوا وبعثوا من طريق البرِّ إلى مدائنِ فرعونَ، حتى نقلوا كنوزهُ وغرِقوا في النعمةِ، رأوا قوماً يعكُفونَ على أصنامٍ لهم، قالوا يا موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، حتى زجرهم موسى وقال: (( أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ) )- أي عالمي زمانه- ثُمَّ أمرهم أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرضِ فرعون، وكانت الأرضُ المقدسةِ في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريدُ أن تجعلنا لحمةً للجبارين، فلو أنكَ تركتنا في يدِ فرعونَ لكان خيراً لنا، فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقين، فبقوا في التيهِ أربعين سنةً عقوبةً لهم، ثُمَّ رحمهم فمنَّ عليهم بالسلوى والغمام.
ثُمَّ سارَ موسى- عليه السلام- إلى طورِ سِيناء ليجيئهم بالتوراةِ فاتخذوا العجل، ثُمَّ قيل لهم: قد وصلتم إلى بيتِ المقدسِ فادخلوا الباب سُجداً، وقولوا حطة، فبدلوا وأنزلَ اللهُ بهم كما في القرآن الكريم، وكان موسى عليه السلام شديدُ الحياءِ ستِّيراً وكانوا هم يغتسلون عُراةً يرى بعضهم عورةَ بعض، فقالوا: ما استتر إلاَّ أنَّهُ (آدر) - أي من عيبٍ خُلقي في خصيته- حتى كشفَ اللهُ لهم الحقيقةَ حينما ذهبَ الحجرُ بثوبه فأبصروهُ لا عيبَ فيه، ولما ماتَ هارونُ قالوا: أنت قتلتهُ وحسدته، حتى نَزلتِ الملائكةُ بسريرهِ وهارونَ ميت عليه إلى غير ذلك من مواقفهم المُشينةِ حتى بلغَ بهم الأمرُ أن بدَّلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم ما لم يأذن بهِ الله، واشتروا به عرضاً من الدنيا، ثم صار أمرُهم إلى أن قتلوا أنبياءَهم ورسلهم، فهذه مُعاملتهم مع ربهم، وسيرتهم في دينهم، وسوءَ أخلاقهم ( [18] ) .
أجل لقد شاءَ اللهُ أن تكون هذه الأمةُ نموذجاً لمن بغى وتجبر، وأعرضَ وأنكل، بعد أن أبصرَ من آياتِ الله ما أبصر، فأحل اللهُ بهم بأسه، ومسخهم قردةً وخنازير، وألحقهم بمن سلفهم، وكذلك تُعمى القلوبُ وتُصمُ الآذانُ عن رؤيةِ الحقِّ وسماع الهُدى لدى القومِ الفاسقينَ الغافلين، وصدقَ اللهُ (( وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) ) ( [19] ) .
إخوةَ الإيمان: هذه الملحمةُ الكُبرى، وهذا النصرُ المبينُ لحزبِ الله المؤمنين، والغرقُ والهلاكُ للطغاةِ والمفسدين، وقعَ كلهُ في العاشرِ من هذا الشهرِ- شهرُ الله المحرم- وعليه فيومُ عاشوراءَ يومٌ من أيامِ الإيمان، ومناسبةٌ تستحقُ الشكرَ والعرفان- بما شرعَ اللهُ لا بما يهوى البشرُ، ولا بما يتوارثهُ أصحابُ النحلِ والملل والأهواءِ الفاسدة.
وقد قدَّرَ المؤمنونَ على مدارِ التاريخ هذا اليومُ وعظموه، وكانت اليهودُ يصومونه ويقولون: إنَّ موسى- عليه السلام- صامهُ شُكراً لله، فصامهُ الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- وقال: ("نحنُ أحقُّ بموسى منكم") ، بل كانت العربُ في جاهليتها تصومُ ذلك اليوم وتعظمه، وتكسو فيه الكعبة ( [20] ) ، وأمرَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- بمخالفةِ اليهودِ، وصيامُ التاسع مع العاشر، فقال: ("إن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع") (يعني مع العاشر) ( [21] ) .