د. علي بن عمر بادحدح
نحن نعلم أن هذا العنوان هو شطر من آية في قول الحق - سبحانه وتعالى -: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة 32-33 ] .
وفي دلالة هذه الآية وما يتفرع عنها ، نبقى في هذا الدرس - بمشيئة الله تعالى - ونستهل ذلك بالمعنى الإجمالي الذي قاله ابن كثير في تفسيره حول هذه الآية ، ثم ننطلق بعد ذلك إلى آفاق عديدة متنوعة .
قال ابن كثير:
{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } . قال:"يريد هؤلاء المشركين وأهل الكتاب".
والآيات أصلاً في سياق ذكر الأحبار والرهبان من أهل الكتاب فهي أخص بهم وألصق بهم .
{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } قال في معنى نور الله:"أي ما بعث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق بمجد جدالهم وافتراءهم ، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة ، وهذا لا سبيل إليه ، فكذلك ما أرسل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يتم ويظهر ، ولهذا قال - تعالى - ومقابلاً في ما راموه وأرادوه: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } "
والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه .
ثم قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .
فـ { الْهُدَى } هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة ، والإيمان الصحيح ، والعلم النافع .
{ وَدِينِ الْحَقِّ ...} هي الأعمال الصالحة النافعة في الدنيا والآخرة .
{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } أي على سائر الأديان". انتهى كلامه رحمه الله ."
وهذه الآيات نأخذ منها جملة من الحقائق المهمة:
الحقيقة الأولى
أن أعداء هذا الدين لا يزالون يحاربونه ، ويعادونه ، ويجتهدون في إطفاء نوره ، وطمس معالمه ، والتضييق على دعوته ، وحرب أهله ؛ لأن الله - جل وعلا - عبّر عن هذه الحقيقة بالآية القرآنية بالفعل المضارع الدال على الاستمرار .. { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ... } .
و { يُرِيدُونَ ....} بالمضارع و { يُطْفِئُوا ...} بالمضارع ، والمضارع يدال على الاستمرار والدوام .
والإرادة هي: عزم وجزم صادق بناءاً على علم ودراية وعقل .
فليست العداوة مجرد حالة طارئة ، ولا نزوة طائشة ، وإنما إرادة ماضية ، وإستراتيجية ثابتة ، وهذه الحقيقة هي من سنن الله - عز وجل - في الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
الحقيقة الثانية
فهي في التعبير القرآني في قوله: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ }
والتعبير بأفواههم يشمل معانٍ عدة منها:
الحقيقة القرآنية أن عاقبة ما يريده الأعداء لا تتم ولا تكمل ، فلا يحصل إنتفاء نور الله ، ولا يتحقق محوه من الوجود ، ولا يمكن أن تزول زولته وأن تطوى رايته وأن توأد دعوته ... لماذا؟
لأن التعبير يقول: { بِأَفْوَاهِهِمْ } وكما قال ابن كثير:"كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة فلا يمكن له أن يصل إلى مثل هذا".
أو كما يقولون في المثل:"الذي يتق الشمس بالغربال"، فإن هذا الغربال لا يمنع عنه الشمس وضياءها وشعاعها ، ولا يتحقق له به الظل .
وهذه حقيقة أيضاً يصدقها الواقع ، وإلا - كما سيذكر - فإن النظر المجرد ، والمقياس المادي ، يؤدي عندما نرى أهل الباطل ، وأعداء الحق ، وقوته ، وجهوده ، فإن العقل يحكم بهزيمة كاملة ، واندحار تام لهذا الدين ، ولكن الواقع ، يشهد بغير ذلك .
والحقيقة الثالثة
في قوله جل وعلا: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ .... } . وهذا أيضاً يعبر عن سنة إلهية ، وهي أن دين الله - عز وجل - غالب كما قال - جل وعلا -: { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: من الآية21] .
وهذه السنة مذكورة في التعبير القرآني بما يجعلها حقيقة مسلمة لا يمكن الشك فيها .
لأن معنى { يَأْبَى ... } أي يمنع . ومن الذي يمنع هذا الإطفاء وهذه الجهود ضد الإسلام أن تبلغ مبلغها ، وأن تصل إلى غايتها !