فهرس الكتاب

الصفحة 3811 من 9994

#المنهج الأمثل لخطبة الجمعة

لفضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد

الحلقة الأولى

إمام وخطيب المسجد الحرام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه، وبعد:

فإن الخطيب والواعظ له دور كبير وأثر بالغ في بيئته ومجتمعه وسامعيه وقومه، فهو قرين المربي والمعلم، ورجل الحسبة والموجّه، وبقدر إحسانه وإخلاصه يتبوأ من قلوب الناس مكانًا، ويضع اللَّه له قبولاً قد لا يزاحمه فيه أصحاب الوجاهات ولا يدانيه فيه ذوو المقامات، ومردُّ ذلك إلى حسن الإجادة، وجودة الإفادة والقدرة على التأثير المكسو بلباس التقوى والمُدَثَّر بدثار الإخلاص والورع.

وهذه كلمات في النموذج الأمثل في إعداد الخطبة وصفات الخطيب، وقد حرصت أن تكون شاملة لخصائص الخطيب والخطبة ووجوه التأثير في الخطبة وإحسان إعدادها مقدمًا لذلك بمقدمة في مهمة الخطيب الشاقة وتعريف الخطبة وأنواعها وبيان أثرها.

الاستعداد الكافي للخطيب:

مهمة الخطيب مهمة شاقة ولا ريب، مشقة تحتم عليه أن يستعد الاستعداد الكافي في صواب الفكر وحسن التعبير وطلاقة اللسان وجودة الإلقاء.

مطلوب من الخطيب أن يُحَدِّثَ الناس بما يمسُّ حياتهم ولا ينقطع عن ماضيهم، ويردهم إلى قواعد الدين ومبادئه، يبصرهم بحكمه وأحكامه برفق ويُعرفهم آثار التقوى والصلاح في الآخرة والأولى، مهمته البعد عن المعاني المكرورة وجالبات الملل.

الدعوة إلى التجديد والتحديث والبعد عن المكرور، لا يغير من الحقيقة الثابتة شيئًا، وهي أن حياة الناس وأحوالهم في كل زمان ومكان صورة واحدة؛ من تصارع الغرائز، واضطراب النفوس، وغليان الأحقاد، وفي مقابل ذلك تلقي أحوالاً من البرود والانصراف والغفلة وعدم المبالاة.

والخطيب عليه أن يُهَدِّئ الثائر، ويبعث الفاتر، يطفئ ثورة الغريزة ويخفض حدة الأحقاد، ويشيع روح المودة، ويبث الإخلاص والتعاون.

نعم إن حياة الناس صورة معادة وتغيرات متناوبة، فأحداث اليوم هي أحداث الأمس، والبواعث والمثيرات في الماضي هي ذاتها في الحاضر.

فإنسان الغابة هو إنسان المدنيَّة، غير أن الأول يحارب بحجر والثاني يرمي بقنبلة، والأول قد يقتل واحدًا أو اثنين، والثاني يقتل عشرات ومئات، القوي في الغابة يستولي على مرعى أو بئر، أما قوي المدنية فيستولي على قطر بأكمله، ويأكل قوت شعب بجملته، وشعوب برمتها ويستبدّ بمصادر طاقة، وموارد حياة مصيرية.

إذا كان ذلك كذلك فكيف يكون الحال لو نجح الدعاة المصلحون في تهذيب الغرائز والتسامي بها.

إنَّ خطيب المسجد وواعظ الجماعة أشد فاعلية في نفوس الجماهير من أي جهاز من أجهزة التوجيه والحكم في المجتمع سواء أكان واليًا أو رجل عسكر أو حارس أمن، إن الجمهور قد يهابون أمثال هؤلاء لكنهم قد لا يحبونهم، أما الخطيب بلسانه ورقة جنانه وتجرده، يقتلع جذور الشر في نفس المجرم ويبعث في نفسه خشية اللَّه، وحب الحق، وقبول العدل، ومعاونة الناس، إن عمله إصلاح الضمائر، وإيقاظ العواطف النبيلة في نفوس الأمة، وبناء الضمائر الحية، وتربية النفوس العالية في عمل خالص وجهد متجرد، يرجو ثواب اللَّه ويروم نفع الناس.

ومن هذا فإنك ترى أن أداء الخطيب عمله على وجهه يكسوه بهاءً وبِشْرًا، ويرفعه إلى مكان عليّ عند الناس.

ولتعلم أن هذا ليس إطراءً ولا مديحًا، ولكنه تنبيه إلى شرف العمل ومشقته وعظم مسئوليته وثقل رسالته، وما تتطلبه من حسن استعداد وشعور صادق بالمسئولية.

وكيف لا يكون ذلك وهذه هي رسالة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا غرابة أن يصادف إيذاءً وعداءً، وحسبه أن يكون مقبولاً عند اللَّه والصفوة من عباد اللَّه.

مدخل:

لا يقصد من الكتابة عن الخطابة وأسسها ومبادئها وآدابها، أن تكون مادة ليدرسها الدارس لتجعل منه خطيبًا مفوَّها ومتحدثًا مصقعًا، إن الكتابة والأبحاث والمناهج لا تجعل من العييّ فصيحًا ولا اللسان المعقود طليقًا، ولكن هذه الكتابات والدراسات والبحوث نبراس ومنار يضيء لصاحب المواهب والاستعداد مشعلاً ينمي الموهبة ومصباحًا ينير السبيل فلا يكون حاطب ليل.

هذه الكتابات والبحوث يتكون منها علم ينير الطريق ولا يحمل على السلوك، يرشد إلى الدرب ولا يقسر على السير.

وأنت خبير بأن السراج المنير لا يستفيد منه غير البصير، أما ذو الرمد فغير منتفع، ويكفيك إشارة بأن الكاتب في علم الاقتصاد والعالم في أسسه وقواعده قد يكون أقل الناس مالاً وأضعفهم موردًا.

تعريف الخطبة:

الخطبة: بضم الخاء كلام منثور مسجوع ومرسل، أو مزدوج بينهما غايته التأثير والإقناع.

ويقصد بها هنا الخُطب التي تلقى على المنابر يوم الجمعة، بقصد حمل الناس على الخير، وترغيبهم فيه، وصرفهم عن الشر ودواعيه، وتبصيرهم بأحوالهم وواقع أمرهم حسب ما يقتضيه أمر الشرع.

والخطبة من جانب الخطيب مقدرة على التصرف في فنون الكلم، مرماها التأثير في نفس السامع ومخاطبة وجدانه.

أغراضها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت