الدعوة إلى الصلاح والإصلاح، والاستمساك بأمور الشريعة، وإقامة الحق والعدل، ونشر الفضائل، وتسكين الفتن، وفضّ المشكلات، وتهدئة النفوس الثائرة، وإثارة النفوس الفاترة، ترفع الحق، وتخفض الباطل، هي صوت المظلومين، وواعظ الظالمين، ولسان الهداية، ولقد نادى موسى عليه السلام ربه: قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي [طه: 25- 28] ، فجاء الجواب الرباني: قد أوتيت سؤلك يا موسى [طه: 36] .
والغرض هنا الإشارات إلى مجمل الأغراض، وسوف يُزاد الأمر بيانًا من خلال الحديث عن أنواع الخطب وخصائص الخطب المنبرية، والفقرة التالية في أثر الخطبة تعطي مزيد بسط في المقصود.
أثرها:
لا يكاد ينجح صاحب فكرة، أو ينتصر ذو حق، أو يفوز داعية إصلاح إلا بالكلمة البليغة، والحجة الظاهرة، والخطبة الباهرة.
الخطيب المفوّه يلحق بحجته، ويسبق إلى غايته، فيعلو سلطانه، ويتسع ميدانه.
ولهذا فإنّ القائد المحنّك في الجيش يتميز فيما يتميز بذرابة لسانه وحسن خطابه، فيكون خطيبًا مصقعًا ولسنًا مفهوهًا، ولا يُذكر حين يُذكر إلا منذر الجيش نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن بعده خطباء أصحابه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم من بعدهم من صالح سلف الأمة وأئمتها ممن عَلَوْا المنابر فأصغت لهم الآذان ودانت لهم الرقاب.
ولئن كانت الخطبة في بعض مساراتها طريقًا للمجد الشخصي في نيل غايتها وعظيم أثرها فإنها طريق للنفع العام والإصلاح الشامل.
والخطابة مظهر حضاري للمجتمع الراقي المستنير، يعلو قدرها، ويروج سوقها برقي المجتمع، وانتشار الثقافة فيه، كما أنها تخبو حين ضعفه وذلته.
وثمت جانب في التأثير آخر ينبغي مراعاته، وهو أن تأثير الخطيب في سامعيه ليس بالإلزام أو الإفحام، بل مردّه إلى إثارة العاطفة، وحمل السامع على الإذعان والتسليم، ولا يكون ذلك بالدلائل المنطقية تُساق جافة، ولا بالبراهين العقلية تقدم عارية، ولكنه بإثارة العاطفة ومخاطبة الوجدان.
ومن هنا فإنَّ الخطيب قد يستغني عن الدلائل العقلية ولكنه لا يمكن أن يستغني عن المثيرات العاطفية، ولعلك تدرك أن أكثر ما يعتمد عليه الخطيب في حمل السامعين على المراد مخاطبة وجدانهم والتأثير في عواطفهم.
إنّ الخطيب المرموق - كما هو معلوم - يأخذ سامعيه باستدراجه اللبق وكلماته الساحرة وصوته العذب المتردد انخفاضًا وارتفاعًا وإثارة وهدوءًا يُنشئ جوًا عاطفيًا مشحونًا، وهذا معين في التأثير لا ينضب ولا يُملّ.
أما البراهين العقلية فجافة تجلب السآمة.
وحينما يذكر خطاب العاطفة وأثرها فلا يخطر بالبال أن ذلك يعني دغدغة العواطف بالكذب والتزييف، ومخالفة الأقوال للأفعال، فهذا حبله قصير بل ضعيف واهٍ، وهذا ما سيبدو موضحًا في صفات الخطيب إن شاء اللَّه تعالى.
أنواع الخطبة:
الناظر في أغراض الخطبة ومقاصدها ومتطلبات المجتمع من ذلك يستطيع إدراك أنواعها، وهذا سردٌ لأهم أنواعها:
1-الخطب النيابية، وهي الخطب التي تكون في دور النيابة والشورى عاكسة ما يجري داخل هذه القاعات من مناقشات ومداولات وأسئلة واستجوابات مؤيدة ومعارضة.
2-الخطب الانتخابية، وهي خطب تعد وتلقى من أجل الترشيح والتزكية لشخص أو حزب أو مبادئ، مع ما يشتمل عليه ذلك من رد على المعارضين.
3-الخطب الثقافية: وهي ما يلقى في النوادي الثقافية والأنشطة العلمية والجامعية وهي في العادة تتخذ مسارًا ثقافيًا وأدبيًا وعلميًا واجتماعيًا وتوجيهيًا بما يبتعد عن الأغراض السياسية والقضائية والوعظ، وتعلو النبرة فيها بما يعرف بالمعارك الأدبية بين المنتدبين حسب اتجاهاتهم الأدبية، شعرًا ونثرًا وتليدًا وجديدًا وهي في العادة خطب لطبقة مثقفة متأدبة ذات تميز ثقافي خاص.
4-الخطب القضائية، ويظهر هذا النوع في دور القضاء وقاعات المحاكم، حين ينبري المدعون بإلقاء حججهم والسعي في إثبات دعواهم، فيقابلهم المحامون بالدفاع عن موكليهم بأسلوب خطابي بليغ مؤثر ذي ألفاظ منتقاة وإلقاء متميز وحركات مدروسة.
5-الخطب العسكرية: وهي ما يلقيه قائد العسكر على جنده وزملائه بغرض بث الروح المعنوية والقتالية فيهم وبيان شرف موقعهم وكرم موقفهم وشرح خططه العسكرية والميدانية بأسلوب انفعالي مؤثر.
6-خطب المنبر والمواعظ: وهذا هو محل البحث والنظر والتفصيل هنا، وهذا النوع يتجلى في أبهى صوره وكامل هيئته وانتظام شكله في خطب الجمعة المنبرية، وهي خطب أسبوعية دورية تتخذ أغراضًا عدة وترمي إلى مقاصد متنوعة، نشير في هذا التعريف إلى نماذج منها، إذ من المعلوم أن هذه المقاصد والأغراض تتجدد وتتنوع حسب حاجات الناس وتغير الأحوال وتقلب الظروف ودواعي التذكير.
أغراض الخطب المنبرية:
من هذه الأغراض:
أ- تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان.
ب- الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه وبيان مزاياه.
جـ- خطب الإصلاح ومحاربة المنكرات.