فهرس الكتاب

الصفحة 8614 من 9994

وقيادةُ المرأةِ للسيارةِ لا ينبغي أن تفصلَ عن مشاكلنا الاقتصادية، وإن دلّسَ فيها المُدلسون، ولا عن اختناقاتنا المُروريةِ وإن تجاهَلها المُتجاهلون، ولا عن قِيمنَا وأعراضنا وإن تسامحَ فيها المتسامحون.

قيادةُ المرأةِ للسيارةِ ستنقلُ المرأةَ من امرأةٍ مخدومةٍ إلى امرأةٍ خادمة، وستنقُلُها من ظِلالِ المنزلِ إلى وهجِ الشمسِ، ومن أمنِ القرارِ ونعومةِ المظهرِ إلى خطرِ الإطاراتِ المتفجرةِ، وذبولِ الزهرةِ بالتعبِ والمعاناة.

من يُكرمُ المرأةَ أهو الذي يستجيبُ لطلباتِها، ويُوفِرُ حاجاتها، أم الذي يُسوقُها لتذهبَ بنفسها في حمأةِ الظهيرة، ويضطرُها للخروجِ بنفسها، أو بمن تعولُ في ساعاتٍ متأخرةٍ من الليلِ في الحالاتِ الطارئة ؟

كم تتعرضُ النساءُ للمضايقاتِ من قبلِ السُفهاء، وهُن مُترجلاتٍ وفي خطواتِ محدودة، فكيفَ سيكُونُ الحالُ إذا قادتِ السيارةُ بعيداً عن وليِّها وبيتها ؟

إنَّ التحرشَ الجنسي ظاهرةٌ لا تُنكر، وإذا مُورست مع المرأةِ وهي في بيتها أو في السوقِ لقضاءِ حوائِجها، وهي في مُحيطِ الناسِ، فكيفَ سيكُونُ حالُ ضعفاءِ النفوسِ مع المرأةِ حينَ تقودُ السيارةِ في مكانٍ تقلُ فيه الرقابةُ، ويغيبُ الشهود ؟

إننا - بقيادةِ المرأةِ للسيارة - نُعرِضُها لمخاطرَ وأدواءٍ هي في غناً عنها، وطُرقَنا وشوارعنَا لا تتحملُ أعباءَ سيارتها، ولا تنتعشُ صحياً بعادمِ كربونِ مركبتها .

إننا نثقُ بالمرأةِ ولكننا نُكرِمُها حينَ نقودُ السيارة بها، ونثقُ بالمرأةِ ولكننا نحافظُ على أنوثتها وجَمالها حين نتحملُ أعباءَ القيادةِ عنها.

والواقعُ يشهدُ أنَّ المرأةَ لم تتضايق من وضعها، ولم تشتكِ إلينا أو تُطالبنا بتوفيرِ القيادةِ لها، ولكن البعضُ منَّا يُريدُ تحقيقَ مآربهِ على أكتافِ النساءِ، وإن كانَ أولئكَ صادقونَ في المطالبةِ لها فليطالبوا بحاجياتٍ أساسيةٍ للمرأة، سبقت الإشارةُ إليها ، وليرفعوا الظلمَ عنها من فئاتٍ تُمارسُ الظلمَ بحقها.

إنَّ المرأةَ بخيرٍ في بلادنا، أمنٍ ورخاءٍ وعافيةٍ واستقرار، والزاعِمُونَ لتحريرِ المرأةِ إن كانوا صادقينَ فليُسهِمُوا في رفعِ الظُلمِ الواقعِ على أختِنا وجارتنا، حين تحتلُّ بلادها ويُصفي العائلون لها، وتبقى أسيرةً أو طريدة.

لقد عانت المرأةُ وما زالت في فلسطينَ تُعاني من ظُلمِ الصهاينة، فماذا صنعَ أدعياءُ تحريرِ المرأةِ لها.

واليومَ تُعاني المرأةُ في العراقِ ألوانَ الظُلمِ والاستبداد، والحربِ الاستعماريةِ والتصفيةِ الطائفية، فماذا صنعَ الرافعونَ لعقيرةِ تحريرِ المرأة ؟

إننا حينَ نستنكرُ هذه المطالباتِ الفجّةِ، ونضُمُّ أصواتنا إلى الأصواتِ العاقلةِ في التعاملِ مع قضايا المرأةِ، نتطلعُ أن يعيدَ الآخرونَ النظرَ في طروحاتِهم بما يخدُمُ المصلحةُ العامةُ، ويُوفرُ الأمنَ والطمأنينةَ لمُجتمعِنا وبلادنا .

حفظ اللهُ بلادُنا من كلِّ سُوءٍ ومكروه .

الحمد لله ذي الملكُ والملكوت ، والعزةِ والجبروت ، والكبرياءِ والعظمةِ، إليهِ يصعدُ الكلمُ الطيبُ والعملُ الصالحُ يرفعه ، حيٌّ قيوم، لا تأخذهُ سنةٌ ولا نوم ، بيدهِ القسطُ يخفضهُ ويرفعُه ، حجابهُ النور، لو كشفهُ لأحرقت سُبحات وجههِ ما انتهى إليهِ بصرهُ من خلقهِ، الكبرياءُ رداؤهُ، والعظمةُ إزاره ، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الأنام ، من زكَّى اللهُ بصرهُ فقال: (( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) ) (سورة النجم:17) ، وزكَّى عقلهُ فقال: (( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) ) (سورة النجم:2) ، وزكَّى فؤادهُ فقال: (( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ) (سورة النجم:11) ، وزكَّى لسانهُ فقال: (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ) (سورة النجم:3) ، وزكَّاهُ كلهُ فقال: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) (سورة القلم:4) ، صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ أولي التُقى والنُهى وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بعد:

فيا أيُّها الناسُ:

اتقوا اللهَ ربكم، فإنَّ عذابهُ أليمٌ، وأخذهُ شديدٌ، إنَّهُ سوطُ اللهِ، يقوّمُ به الشاردينَ عن بابهِ، ويُردَّهم به إلى رحابه 0

كم فكَّ اللهُ بهِ من أسيرِ شهوةٍ ملكت عليهِ نفسهُ، وأبعدتهُ عن ربهِ، كم أطلقَ من سجينٍ لذات ، أطبقت عليهِ سُرادقُها ، وكم كسرَ من قيودِ مستعبدٍ لهواهُ، متألهٍ لهُ من دونِ الله ، كم أعانَ على خُلقٍ كريم ، وكم كفَّ عن خلقٍ ذميم ، كم أطفأ من نارِ حسدٍ وحقد ، وكم منعَ من إساءةٍ وتعدٍ وظُلم، كم أيقظَ من غافلٍ عاشَ طولَ عُمرهِ في الشهواتِ معرضاً عن اللهِ تعالى والدارَ الآخرة ، كم بهِ من زانيةٍ عفَّت ، وغانيةٍ تنسَّكت 0

إنَّهُ سمةُ المؤمنينَ وآيةُ المتقين، وهو طريقُ الأمنِ في الآخرة 0

إنَّهُ أيُّها المؤمنون:

الخوفُ من الله 0

إنَّهُ هو المانعُ للذنبِ ، العاصمُ من الخطأ ، الحافظُ من الزللِ ، المبعدُ عن الخللِ ، وأنَّى لقلبٍ لم يُزرع فيه خوفُ اللهِ أن يرتدعَ عن الهوى، وكيفَ لفؤادٍ لم تسكنهُ خشيةُ الله ، والهيبةُ لجلالهِ ، والوجلُ من بطشهِ ، والإشفاقُ من وعيده ، كيف له أن يُعمرَ بالطاعةِ ويتجافى عن المعصيةِ ، ويستوحشَ من الذنبِ ، وما كثُرت الذنوبُ، وأظلمتِ القلوبُ، إلاَّ لقلةِ الخوفِ من علامِّ الغيوب تحيطُ بنا العِبر وتكثرُ الحوادثُ، وتعظمُ الكوارثُ وتُفتت الأمم، وتحلُ النقم، والأنفسُ لاهيةً والأفكارُ ساهيةً وحبالُ التقوى واهية 0

قُلوبُنا تحجرت، وأحاسِيسُنا تَبَلدت، وجوارحُنَا عُطِّلت، لا قلبٌ يخشع، ولا نفسٌ تشبع، ولا عينٌ تدمع، إلاَّ من رحمَ الله 0

أتخمتِ البيوتُ بالمعاصي، ومُلأت العقولُ بالشبهات، وأُترعتِ النفوسُ بالشهوات، تُسمعُ المعصيةَ وقلَّ من يُنكرُها، ويُشاهدُ المنكرُ وكأنَّهُ المعروف، يُجالسُ صاحبَ المعصيةِ ويؤاكلُ ويُشاربُ مُرتكبُ الكبيرةِ دون حرجٍ في النفسِ من فعلهِ أو إنكارٍ في القلبِ لسلوكه 0

هذهِ أيُّها المسلمون حالُنا يومَ أن ضعُفَ خوفُ الله من قلوبنا، وقلت هيبةُ اللهِ في نفوسنا 0

لم لا نخش الله ؟ أليسَ هو اللهُ الذي خلقَ فسوى، وقدرَ فهدى، وأخرجَ المرعى، فجعلهُ غثاءً أحوى، أليس هو الإلهُ العظيمُ الذي أعطى كل شيءٍ خلقهُ ثم هدى ، أليسَ هو اللهُ العظيمُ الذي تتابعَ برُهُ، واتصل برُّهُ وعمَّ عطاؤه، وكمُلت فوا ضله، وتمت نوافله، وبرَّ قسمه، وصدقَ وعده، وحقَّ على أعدائهِ وعيده:

فسبحانَ من تعنُوا الوجوهُ لوجههِ *** ويلقاهُ رهن الذلِّ من هُو جبَّارُ

ومن كلِّ شيءٍ خاضعٌ تحت قهرهِ *** تصرفهُ في الطوعِ والقهرِ أقدارُ

عظيمٌ يهونُ الأعظمين لعزهِ شديدُ *** القوى كافٍ لذي القهرِ قهَّارُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت