أينَ الجمعياتُ والهيئاتُ المتابعةِ لعضلِ المرأةِ، والاعتداءِ على حُقُوقِها؟ سواءً من قبلِ الزوجِ والأب أو غيرها، أين المُحامُونَ عنها والمُطالِبونَ بحقُوقِها ؟
قضايا كثيرةٍ يُمكنُ أن تُدرجَ في الاهتمامِ بالمرأةِ، ولكنَّها في سياقِ العفةِ والكرامة ، وفي محيطِ الصدقِ والعمق، والنصحِ والأدب، والتوازنِ والاعتدال.
أما اختزالُ قضيةُ المرأة في أمورٍ هامشية، فذلكَ نوعٌ من التلاعبِ بقضايا المرأة، بل هُو يسيرُ في اتجاهِ الاستفزاز، وإثارةِ الجدليةِ وهدرِ الأوقاتِ والجهودِ، وبثِّ روحِ التنازعِ والافتراق.
خُذوا على سبيلِ المثالِ ( قيادةُ المرأةِ للسيارة ) ، هل هيَ بالفعلِ حاجةٌ ماسة ؟ لا تستقرُ حياةُ المرأةِ والأسرةِ والمجتمعِ إلاَّ بها ؟ ولا تصلحُ دنيا الناسِ إلاَّ بها ؟ وهل نُكرمُ المرأةِ بقيادتِها للسيارة ؟ أم إنَّ مهنةَ القيادةِ لا تحتلُّ قيمةً مرمُوقةً حينَ تُصنفُ المهن.
إنَّ القضيةَ - في نظرِ المنصفينَ - لا تعدُّوا أن تكونَ موضوعاً جانبياً متأخراً في الترتيبِ لمن يَرونَ ترتيبَ الأولويات، بعيداً عن الإثارةِ والضجيجِ، وحين نُفكرُ بهدوءٍ هل قيادتَها للسيارةِ ستُخففُ أم تزيدُ من مُشكلاتنا الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والأمنية ؟ فضلاً عن تأثيراتِها القيَميَّةِ وتداعِياتِها الأخلاقية .
وإذا كُنَّا نهتمُّ بالدراساتِ، ونُعنى بالتقاريرِ، ونثمِّنُ النتائجَ، فثمة دراساتٍ هادئةٍ تبرزُّ النتائجَ المتوقعةِ لقيادةِ المرأة، وتُثيرُ هذهِ الدراسةِ إلى ما يلي:
1-قيادةُ المرأةِ للسيارةِ ستُضيفُ أعباءً اقتصاديةً على المجتمعِ، وستُرهِقُ كواهلَ كثيرٍ من الأُسرِ التي تُعاني حتى توفرَ سيارةً واحدة، فكيفَ إذا أُضيفَ إليها للإناثِ مثلها، وما يتبعُها من نفقاتِ السيرِ والمرورِ، والوقُودِ والإصلاحِ ونحوها.
2-وقيادةُ المرأةِ للسيارةِ ستُضيفُ مشكلاتٍ مُروريةٍ هائلة، وستُحدِثُ من الزحامِ ولا سيما في المُدنِ الكُبرى ما سيكُونُ على حسابِ الوطنِ والمواطن .
3-وستُضيفُ أعباءً أمنيةً كثيرةً ذاتَ مظاهرَ خطيرة، هذا فضلاً عن المظاهرِ الخُلقِيَةِ، وانتهاكِ القيمِ، وخدشِ الحياءِ والخلق.
4-أما الزعمُ بحلِّها لمشكلةِ السائقين، فالتجربةَ الموجودةِ في دُولِ الخليجِ مثلاً تؤكدُ أنَّ نسبةَ 80 % من الأسرِ الخليجيةِ لديهم سائقينَ مع كُونِ قيادةِ المرأةِ للسيارةِ متاحة. ( د. العشماوي الجزيرة 20 / 4 / 1426 هـ )
وبكلِّ حالٍ فخسارةُ الأعراضِ أشدُّ من خسارةِ الأموالِ، إذا كانَ ثمةُ مُوازنةٍ بين الخسائرِ وقيادةُ المرأةِ للسيارةِ، قضيةً محسومةً في بلادِنا، بفتوى شرعية، وبقرارٍ سياسي، ونحنُ في بلدٍ نحتكمُ إلى الشرع، ونطيعُ وليَّ الأمرِ.
أمَّا الفتوى فقد صدرت من أعلى هيئةٍ شرعية- ( هيئةُ كبارِ العلماءِ ) - مدعومةً بالدليلِ، مُدللةً بفقهِ الواقعِ، مُعتبرةً للمآلاتِ ، مقدرةً للنتائجِ، أليست هذهِ الهيئةُ محلُ ثقتِنِا، أليست فتواها معتبرةً لرجالنا ونسائِنا ؟
وإذا كانت فتواهُم غيرَ مُقنعةٍ عند فئةٍ قليلةٍ في المجتمعِ، فهي بحمدِ اللهِ مَحلٌ للثقةِ والاعتبارِ عندَ غالبيةِ المجتمع.
وهل يُرادُ من هذه الإثاراتِ لقيادةِ المرأةِ للسيارةِ بين الفينةِ والأخرى، هزُّ الثقةِ بهذه المرجعيةِ الشرعيةِ في بلادنا ؟
هل يسوغُ أن نستمعَ للهيئةِ العليا في بلادنا، فيما نشاءُ ونحب، ونتجاهلُ رأيَها حينَ لا نشاءُ ولا نحب ؟ إنَّها انتقائيةٌ يرفضُها العقلُ المُنصف، ويرُدَّها الشرعُ المطهر، فالحكمُ الشرعيُّ إذا صدرَ من أهلِ الفُتيا والعلمِ الشرعي، فليسَ لمسلمٍ أن يكونَ لهُ الخيرة، (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) ) (سورة الأحزاب: 36)
أليسَ اللهُ يقولُ لنا: (( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (سورة الأنبياء: 7) .
ولقد سُئلَ أهلُ الذكرِ فأجابوا، وأُحيلَ موضوعُ قيادةِ المرأةِ للسيارةِ لهيئةِ كبارِ العلماءِ فأفتوا، فماذا بعد ؟
أنرغبُ أن تكونَ أمورٌ حياتِنا فوضى، كلٌّ يتدخلُ فيما يعنيهِ ومالا يُعنيه، وكلٌّ يهرفُ بما يعرفُ وما لا يعرف، وكلٌّ يجعلُ من نفسهِ حكماً ومفتياً، هذا يُحللُ وذلكَ يُحرم ، وهذا يُخطِئُ وذاك ينتقد، وخامسٌ يُجرمُ وسادسٌ يتهم، وهكذا تتحولُ أُمورَنا إلى فوضى عارمة، وفتنةٍ عميَّةٍ تُفرقُ جمعنا، وتُذهبُ ريحنا، ويفرحُ العدوّ حينَ تكونُ المعركةُ محتدمةٌ بيننا، ألسنا نُعطي القوسَ باريها في أمورِ السياسيةِ والاقتصاد، وننتقدُ حينَ يتدخلُ المهندسُ في عملِ الطبيب، أو يستشارُ الطبيبُ في عملٍ هندسي، وهكذا في أُمورِنا الأُخرى، فلماذا نحيدُ ونتجاوزُ في مسألةٍ حُكمِ قيادةِ المرأةِ للسيارةِ عن الهيئةِ الشرعية، التي اختارها الحاكمُ وزكَّاها، وأحالَ إليها الأمرُ ورضي فتواها ؟
ولقد أحسنَ نائبُ رئيسِ مجلسِ الشُورى صُنعاً، وكان حصيفاً ومقنعاً ومنطقياً ومنصفاً، حينَ قالَ: ( المسألةُ شرعيةً ولهيئةِ كبارِ العلماءِ الكلمة ) ، وقال المُهندسُ محمودُ طيبةً طيّبَ اللهُ وجهه، ( إنَّ المسألةَ يجبُ أن تُناقشَ من قبلِ أعلى هيئةٍ شرعيةٍ في البلادِ، وهيَ هيئةُ كبارِ العلماء، لأنَّها سبقَ وأن أفتت في الأمر) ( جريدة المدينة ، ملحق الرسالة 26 / 4 / 1426 هـ ) .
على أنَّ قضيةَ قيادةُ المرأةِ للسيارةِ في بلادِنا سبقَ وأن صدرَ فيها قرارٌ سياسي ، حين كانت شرارَتها الأُولى في أيامِ أزمةِ الخليجِ الأولى في التسعينات، وحينها صدرَ قرارُ الدولةِ بمنعِ قيادةُ المرأةِ للسيارة ، بل وأكثرُ من هذا، عُوقبت اللاتِي خَرجنَ من النساءِ بالفصلِ من أعمالهنَّ ، واستنكارِ تصرفاتهنَّ، فهل يُريدُ المُثِيرُونَ لهذهِ القضيةِ من جديدٍ إعادةُ الأمرِ جذعه، ومرا غمةُ الحكمُ الشرعي والقرارُ السياسي ؟ إنَّ ذاكرتنا تَحتفظُ بهذهِ المواقفِ ولن تنسَ هذهِ الأحكامِ المُنهيةِ للفتنة ، وتُثمنُ تلكَ القراراتِ الحصيفة .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..
إنَّ قيادةَ المرأةِ للسيارةِ عند أولي النُهى لا تتعلقُ بقضيةٍ واحدة، ولا بحكمٍ فقهيٍّ مُحدد، بل يستتبعُها ويُحلِّقُ بها أمورٌ أخرى، لا بدَّ أن نعِيها ونتفطنُ لها حين تُثارُ هذه القضية، ومن التسطيحِ أن نُقارنَ بين ركوبِ المرأة للجملِ في الماضي وقيادتَها للسيارةِ في زمنِ السعارِ الجنسي، والاختناقِ المُروري، وغزو الفضائيات، ومن التغفيلِ أن تنظرَ لها كقضيةٍ مُفردة، فهي جزءٌ من مشروعٍ كبير، طالما دندنَ حولهُ المغموسُون في ثقافةِ المرأةِ، والمنبهِرُونَ بوضعِ المرأةِ الغربية .
إنَّهُ جزءٌ من تغريبِ المرأة، وإن شئتَ فقل تغريبَ المجتمعِ، والقضيةُ كذلك رهانٌ تُسابقُ عليه فئةٌ قليلة، وتتطلعُ من خلالهِ إلى التمردِ على السلطةِ الشرعية، وعلى القيمِ والأعراف، وتريدُ أن تفرضَ إرادةَ الفئةِ القليلةِ على الأغلبيةِ الساحقة،
ومن هُنا كانَ سُمو وزير الداخليةِ واعياً ومُدركاً لطبيعةِ مجتمعنا حين قالَ مؤخراً (إنَّ القضيةَ تتعلقُ بالمجتمع ) ، وحينَ لا نحتاجُ إلى الاستفتاءِ في مسألةٍ صدرَ الحكمُ فيها، فلن يكُونَ الاستفتاءُ النزيهُ - لو وقعَ - في مصلحةِ المُطالبين بقيادةِ المرأةِ للسيارة.