د. علي بن عمر بادحدح
المحتويات:
• المقدمة .
• في الحب والقرب .
• في التضحية والهجرة .
• في الفطنة والدعوة .
• في الجود والكرم .
• في الشجاعة والإقدام .
المقدمة
حديثنا اليوم عن ( جعفر ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه الشهيد الطيار ) .
وهو واحدً من خريجي مدرسة النبوة المباركة المدرسة ، التي خرّجت لنا معالم القمة والقدوة في سائر جوانب الحياة .. في العقيدة صفاءً وعمقاً وثباتاً ، وفي العبادة كثرةً وإخلاصاً وخشوعاً ، وفي الفكر إدراكاً ونضجاً ووعياً ، وفي المعاملات المالية ورعاً وبذلاً وزهداً ، وفي سائر جوانب الحياة المختلفة .
ووقفاتنا مع صحابينا الجليل جعلتها في خمس محطات:
1-في الحب والقرب .
2-في التضحية والهجرة .
3-في الفطنة والدعوة .
4-في الجود والكرم .
5-في الشجاعة والإقدام .
ولقد نال جعفر - رضي الله عنه- في كل هذه الجوانب قصباً من السبق عظيماً وقدراً وافراً كريماً ، ولعل هذه الوقفات الموضوعية تعيننا على الانتفاع من سيرة جعفر رضي الله عنه .
وهي كذلك لا تخلو - أولا تقطع - سرد الحياة التي كانت له في صورة قصصٍ وأحداث .
ونبدأ بمحطتنا الأولى: القرب والحب
فجعفرٌ قريب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبيب ، وأما قربه فمن وجوه كثيرة:
فهو ابن عم رسول الله - عليه الصلاة والسلام - إذ هو جعفر بن أبي طالب ، واسم أبو طالبٍ عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ، وهو الأخ الشقيق لعلي وعقيل ابني أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين .
وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، فنسبه موصول برسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة الأب ومن جهة الأم .
وأسلم جعفر ابن أبي طالب كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب بعد علي رضي الله عنه بقليل .. وروى ابن إسحاق ، كما نقل عنه ابن عبد البر وابن حجر كذلك في الإصابة:"أنه أسلم بعد واحدٍ وثلاثين رجلاً ، وكان هو الثاني والثلاثين".
وفي رواية أخرى:"أنه كان الخامس والعشرين"، فهو من السابقين الأوائل إلى الإسلام ، وورد في بعض الروايات أن من دعاه هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
وفي رواياتٍ أخرى وإن كانت الروايات السابقة أشهر وأظهر:"أنه كان في أوائل من أسلم بعد خديجة بنت خويلدٍ رضي الله عنها وعلي ابن أبي طالبٍ وزيدٍ وبلالٍ والمقربين القريبين من رسول الله عليه الصلاة والسلام".
وبالجملة ؛ فإن الذين سبقوا إلى الإسلام كانت لهم مزايا ومحاسن ، هي التي جاءت بهم إلى الإسلام دون غيرهم ، ممن أعرضوا وصدوا ، وممن قاوموا وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فالذين أسلموا وأقبلوا على الإسلام كان لهم زكاء نفس ، ورجاحة عقل ، وطهر قلب ، وثقب نظر ، ثم أراد الله - عز وجل - قبل ذلك بهم الخير ، فأقبلوا بقلوبهم على الإسلام ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن وجوه الحب قصصٌ كثيرة مع هذا القرب الذي كان بالنسب ، والذي كان تبعًا لذلك بالمعاشرة والمعايشة ؛ فإن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان فترة من الزمان في ظل رعاية وكنف أبي طالبٍ - والد جعفر رضي الله عنه - وعلي ابن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - تربى ونشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعفر شقيقه وهو أسنّ من علي بعشر سنين ، فكان قريباً ومخالطاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام .
وروى البخاري من حديث البراء بن عازب ، قصة تنبئنا عن هذا القرب والحب .
اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدخل مكة ، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيامٍ ، فلما كتبوا الكتاب:"هذا ما قاضى عليه محمد صلى الله عليه وسلم .."، إلى آخر ما هو مذكور في قصة الحديبية ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بما أخذ به من شان الصلح ، ثم مضى الأجل ، فلما دخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - أي مكة في عام القضاء ، ومضى الأجل ، أتوا علياً - أي كفار مكة - فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فتبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - عمّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهي تقول: يا عمّ يا عمّ ، فتناولها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأخذ بيدها وقال لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي ، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي ، وقال زيد: ابنة أخي ، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: ( الخالة بمنزلة الأم ) ، وقال لعلي: ( أنت مني وأنا منك ) ، وقال لجعفر: ( أشبهت خلقي وخلقي ) ، وقال لزيد: ( أنت أخونا ومولانا ) . قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: ( إنها ابنة أخي من الرضاعة ) .