فهرس الكتاب

الصفحة 8111 من 9994

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.

[1] رواه البخاري ومسلم .

[2] رواه مسلم .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون:

فإنَّ من المظاهرِ البشعة والثمراتِ المرة للطغيانِ البشري, والانحطاطِ الإنساني, ظهورَ الاستبداد بأشكالهِ المتنوعةِ, وأنماطهِ المختلفة, وما ينتجُ عنه ممَّا يمكنُ تسميتهُ بالمحاكماتِ الجائرة, والتي يذهبُ ضحيتَها عادةً أولئكَ المتصدون للباطل, الراغبون في تصحيح الأوضاعِ المنحرفة, والقيمِ الفاسدة, واستنقاذِ البشرية من سفولِها وانحطاطِها .

ويعرضُ القرآن الكريم أنموذجاً لإحدى المحاكم الطاغوتيةِ المتسلطة, والتي أصدرتْ يوماً ما حكمَها الجائرَ البشع, في قضيةٍ لا يختلفُ فيها منصفان, بأنَّها قضيةٌ مفتعلةٌ بكلٍّ ملابساتِها, مفتقدةٌ للمصداقيةِ في كلِّ جوانبِها.

إنَّها محاكمةُ إبراهيمَ عليه السلام, لجريمتهِ التي هزَّت كيانَ المجتمعِ الجاهليِ آنذاك, وأحدثتْ ردودَ فعلٍ مدوية, وكانتْ محلَّ اختبارٍ حقيقي لمدى قدرةِ الملأِ, والكبراء , على ضبطِ الأمور, وحماية الدستورِ الوثني الذي ركَلَهُ إبراهيمُ بأقدامهِ الشريفةِ الطاهرة, وقبل أن ننتقلَ إلى حديثِ القرآنِ الكريم, وهو ينقلُ وقائعَ تلكَ المحاكمةِ الطاغوتية التي عُقدتْ للنظرِ في قضيةِ إبراهيمَ, لسائلٍ أن يسأل، ما هي الجريمةُ التي ارتكبَها الخليل عليه السلام ؟! وما هو الذنب الذي اقترفه ؟! هل تزعم عصابةً لقطعِ الطريق ؟! هل كوَّن خليةً لترويجِ السمومِ البيضاء ؟! هل فكَّر بانتزاعِ السيادةِ من أهلها, وتنصيبِ نفسهِ على رأسِ السلطة ؟! كلاَّ إنَّ الجريمةَ التي اقترفها إبراهيم لم تكن شيئاً من ذلك ألبته, إنَّ كلَّ الذي فَعَله عليه السلام, أنَّه تناولَ مِعولَه يوماً ما, وقصد مجموعةً من الأحجارِ المنحوتة, والأخشابِ المصفوفة, فحطَّمها حجراً حجراً, وصنماً صنماً, وتركها أثراً بعد عين, فجُنَّ جنونُ قومهِ التافهين, واستشاطوا حنقاً وغضباً, وثارت في نفوسِهم الحميةَ حميةُ الجاهليةِ الأولى, وبدلاً من أن يطبعوا قبلةً على جبينِ ذلك الناصحِ الأمين الراغبِ في تخليصهِم من وثنيتهمِ الهابطةِ, وجاهليتهمِ المتخلفة, راحوا ينتصرون لآلهةٍ محطمةٍ مفتتة, ناطقةٍ بعجزِها وضعفِها عن حمايةِ نفسِها من معولِ إبراهيم لا شُلَّت يمينُه, لقد كانتْ فرصةَ القوم لمراجعةِ حساباتهم, ومراجعةِ عقولهم, والاعترافِ بحماقتِهم وجهلهم حين رأوا أصنامهم وآلهَتهم قدْ أصبحتْ كومةً من التراب تسفها الريحُ يمنةً ويسره, لكنَّه العنادُ المتأصل, والجهلُ المطبق ؟! ألا إنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .

فإلى حديث القرآن وهو يكشفُ خيوطَ المؤامرة بكلِّ حذافيرِها: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ) ) (الأنبياء 52,51) ؟! .

هكذا بدأت المواجهةُ بين إبراهيم والملأ, فقد ساءَه ذلك الإسفافُ الذي بلغه قومُه, وتلك الممارساتُ الخاطئة التي تلبس بها مجتمعه. فهو يسألُ باستنكار, ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون ؟! وهو من خلال سؤالهِ يُسمِّي الأشياءَ بأسمائِها الحقيقية, دون مُدارة أو مُداهنة, يُسميها تماثيلاً ولم يسمها آلهةً، وإن غضب قومُه البائسون المتعصبون, وهذا التجاهلُ المقصودُ من إبراهيم عليه السلام لألوهيةِ تلكَ الأصنام, يُعبرُ عن مدى شجاعةِ الخليل في مواجهةِ الباطل, وعدم اكتراثهِ به, فليس بغائبٍ عنه مقدارُ القداسةِ والتعظيم التي تحظى بها تلك الأصنام في نفوسِ القوم, ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟! قالوا وجدنا آباءَنا لها عابدين, وهو جوابٌ يكشف عن مدى التحجرِ العقلي والنفسي, داخلَ قوالبِ التقليدِ المتيه. التي اعتاد ها أولئك المغفلون !

وهو جوابٌ يكشفُ كذلكَ, عن مدى السفولِ الذي ينحطُ إليه الإنسان, يوم يرضى لنفسهِ أن يضلَّ أسيراً لأوضاعٍ منحرفةٍ صنعها الآخرون . وأنماطِ حياةٍ بالية, افتعلها المجرمون, وهو جوابٌ يكشف كذلك عن مدى الذلِّ الذي يصيرُ إليه الإنسان, يوم يرضى أنْ يؤجَّر عقلَه للآخرين, ويُضفي على أفعالِ بشرٍ مثلِه قداسةً لم يأذن بها الله, وتعظيماً لا مبرر َله, قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين, هكذا بكلِّ صراحةٍ ووضوحٍ , وبكلِّ شجاعةٍ ورجولةٍ, يواجهُ إبراهيمُ قومَهُ, ويعلنُ ضلالهم وضلالَ آبائِهم, وآباءِ آباءِهم , غير هيابٍ ولا وجل .

فما كانتْ عبادةُ الآباءِ يوماً من الأيام لتكسبَ هذه التماثيل قيمةً ليست لها, ولا تخلعَ عليها قداسةً لا تستحقُها, فالقيمُ لا تنبعُ من تقليد الآباء وتقديسهم, ولا من قولِ فلانٍ وفلان, إنما تنبع القيم من قال اللهُ, وقال رسول, (( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) ) (الأنبياء: 55) ؟!

فهو سؤالُ المزعزعِ في عقيدته, المنحرفِ في إيمانه, الذي لا يطمئنُ إلى سلوكِه, ولا يثقُ بتصرفاتِه, ذلك لأنَه معطلُ الفكرِ والروح، بتأثيرِ الوهمِ والتقليد, ولسانُ حاله, أتيتُ لا أدري من أين ولكنِّي أتيت. ولقد أبصرت قدَّامي طريقاً فمشيتْ, كيف جئتُ ؟ كيف أبصرتُ طريقي ؟! لستُ أدري , لستُ أدري .

وفي مقابلِ هذا الغموضِ والتيه, وفي مقابل هذه الحيرة, يقفُ إبراهيمُ على الجانب الآخر بأقدامٍ راسخة, لا يتزعزعُ ولا يضطربْ, عارفاً بربه مطمئناً بإيمانه, يجيبُهم بكلِّ ثقة, ويجادلهم بكل ثبات: (( قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) ) (الأنبياء:56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت