فهرس الكتاب

الصفحة 6621 من 9994

#لمحات من حياة الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني

بقلم: عبدالله شاكر الجنيدي

الحلقة الثالثة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

بعد أن استعرضنا طرفًا من حياة العلامة الشيخ- محمد بن إسماعيل الصنعاني وذكرنا نشأته وشيوخه وتلاميذه، نعرض لأهم لمحة من لمحات حياة هذا الإمام العَلَم وهي عقيدته ومذهبه، لنرى كيف كان الإمام رحمه الله على أصول عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهجهم في التلقي والاستدلال.

ثالثًا: عقيدته ومذهبه:

أولاً: عقيدته:

قبل أن أحكم على عقيدة الصنعاني أرى لزامًا عليَّ أن أبين موقفه من مسائل العقيدة وهل اتبع فيها عقيدة السلف، أم عقيدة المخالفين، وما رأيه في الفرق المختلفة المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة.

1-موقفه من توحيد الربوبية والألوهية:

لا شك أن كل مهتم بعقيدة السلف يعرف كتاب"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، وهو كتاب جدير بأن يحتل مكانة عظيمة بين الكتب التي عالجت وفرقت بين مفهوم توحيد الربوبية والألوهية، ويعتبر الصنعاني بهذا الكتاب الذي تحدث فيه عن معنى"لا إله إلا الله"من أبرز من حمل لواء الدعوة إلى إخلاص التوحيد لله ونبذ البدع والضلالات والشرك والخرافات في القرن الثاني عشر، ثم تبعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في نفس القرن ليجهر ويجاهد ويدافع عن هذا الأمر العظيم (1) .

ولما سمع الصنعاني بظهور الشيخ محمد عبد الوهاب، وعرف أنه يدعو إلى الدين الحق والرجوع إليه أرسل بقصيدته الدالية المشهورة في عام 1163ه التي مدحه فيها وعبر عن سروره وفرحه بظهور هذه الدعوة المباركة في الوقت الذي كان يظن أنه هو وحده على هذه العقيدة، ولما قال فيها:

لقد سرني ما جاءني من طريقة

وكنت أظن هذه الطريقة لي وحدي (2)

وهذا يبين لدعاة التوحيد والسنة وغيرهم أن السائرين على منهج السلف تلتقي أفكارهم وتتوحد جهودهم وإن تباعدت ديارهم واختلفت أوطانهم، لاجتماعهم وأخذهم من منبع واحد هو القرآن والسنة (3) .

2-موقفه من علم الكلام والمتكلمين:

لقد حارب الصنعاني علم الكلام وبين فساد منهج المتكلمين في أكثر من موطن، وقد قال عنهم في كتابه"إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة":"فإذا نظرت مبادئ كلامهم في علم الكلام وكتب الحكمة في الزمان والمكان، رأيت محارات يظلم منها القلب الحي، ولا يقف منها على شيء، ولكنهم خَفوا عند رؤية كلام الفلاسفة وجعلوه عنوانا لأصول الدين" (4) .

وكان يمتاز بتقديم النقل على العقل واتباع النصوص في مسائل العقائد وغيرها. يقول في ذلك رحمه الله:"اعلم أن المختار عندي والذي أذهب إليه وأدين به في هذه الأبحاث ونحوها، هو ما درج عليه سلف الأمة ولزموه من اتباع السنة والبعد عن الابتداع والخوض فيها إلا لردها على لزوم مناهج الأنبياء، وكيف ترد الأقوى إلى الأضعف" (5) .

3-مخالفته للمعتزلة والأشاعرة ورميهم بالابتداع:

أعلن الصنعاني مخالفته للمعتزلة والأشاعرة، وإن تأثر بالمعتزلة في خلق أفعال العباد إلا أنه انتقد المعتزلة كثيرًا، وكذلك الأشاعرة ووصفهم بالابتداع، ومن أقواله في ذلك:"إنما قدمت هذا لئلا يظن الناظر أني أذهب إلى قول فريق من الفريقين المعتزلة والأشاعرة، فإن الكل قد ابتدعوا في هذا الفن الذي خاضوا فيه" (6) .

4-موقفه من الأسماء والصفات وما يتعلق بالأمور الغيبية:

ينطلق الصنعاني في هذا الباب من منطلق سليم يتفق مع منهج السلف، ومما قال في ذلك:"قد علم من الدين ضرورة أن لله أوصافًا كلها كمال، قال جل جلاله: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ، فالإيمان بها واجب على جميع العباد والنكير متعين على من جحدها، أو ادعى أن فيها اسم ذم لله تعالى، ومنها ما ثبت في الأحاديث، فمن عرف صحة الحديث المفيد لذلك وجب عليه الإيمان به" (7) .

كما نقل كلام ابن القيم في شرحه لمنازل السائرين، وأبطل تأويل الصفات من ستة أوجه (8) . وقال في كتابه:"جمع الشتيت شرح أبيات التثبيت"وهو بصدد الحديث عن سؤال الملكين وما يتعلق بأمور الآخرة"... فيجب قبول ما أخبر به من أمور الدارين وتلقيه بالتصديق وحمله على اللغة العربية من غير تحريف، فإن فهمت المقالة فيا حبذا، وإن لم تفهم فلا تقل نؤوله بكذا ولا بكذا، بل تكل فهمه إلى قائله، وتتهم فهمك القاصر، وتسأل الله أن يعلمك ما لم تعلم فهو على كل شيء قدير، وما أحسن ما قاله ابن القيم رحمه الله:"ينبغي أن يفهم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمل، ولا يقصر به عن مراده، وما قصد به من الهدى والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله" (9) ."

ومع هذا فقد وقع من الصنعاني في بعض المواطن ما ينتقد عليه، فقد نقل كلام المقبلي بصوابه وخطئه وسكت عنه، كما لم يحقق موقف ابن تيمية في مسألة الجهة- غفر الله لنا وله-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت