فهرس الكتاب

الصفحة 6622 من 9994

5-حبه لجميع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

قد يظن البعض أن الصنعاني لنشأته في بيئة زيدية يذهب إلى بعض أقوال الروافض، وقد ذهب إلى ذلك الدكتور خليل إبراهيم ملا خاطر حينما نسب الصنعاني إلى التشيع، ووضع قوله إلى جانب قول الروافض، وهذا تحامل شديد على هذا الإمام العالم وهو برئ منه، وقد رد الدكتور أحمد العليمي (10) على الدكتور المذكور في ذلك. ولقد عاش الصنعاني محاربًا في بلده ووطنه لمخالفته لما هم عليه من التشيع والرفض حتى أنهم رَمَوه بالنصب (11) . وهو من آل البيت، ويسجل لنا ديوان الصنعاني رسالة أرسلها إلى أحد تلامذته وهو العلامة أحمد بن محمد قاطن، في شأن الرجل الذي دخل صنعاء، وكان من العجم، فسب الصحابة ونال منهم، وحزن الصنعاني لذلك وكتب رسالة إلى تلميذه المذكور ومما جاء فيها:"فاقرة في الدين، قاصمة لظهور المتقين، ومصيبة في الإسلام لم يطمع في وقوعها إبليس اللعين، ومكيدة في الإسلام أسست بآراء جماعة من الأفدام" (13) . وهي ظهور الرفض وسب العشرة المشهود لهم بالجنة على لسان الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطاهرين حاشا عليا أمير المؤمنين، ويستمر الصنعاني في رسالته فيذكر أنه حصل للعجمي هذا قبولٌ عند الخليفة المنصور، وأمره أن يملي نهج البلاغة وشرحه لابن أبي الحديد على الكرسي في الجامع الكبير إلى أن قال:"ومازال كل ليلة يسرد من هذا حتى ذكر أنه حرف القرآن بعض الصحابة، فسب الصحابة العامة من الناس، ولعنوا أعيان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وحاصله أنه لم يبق مذهب من مذاهب العجم إلا دسه" (14) .

6-ثناؤه على أئمة أهل السنة والجماعة:

من المعلوم أن من أمارة أهل البدع الوقيعة في أهل السنة وتنقيصهم ورميهم بما ليس فيهم حقدًا وبغضًا، وهذا شأن المبتدعة في كل زمان ومكان (15) . وما قاله الكوثري عن أعلام السلف ليس منا ببعيد (16) . أما أهل الحق والهدى فيعرفون لسلف هذه الأمة والسائرين على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم فضلهم ومكانتهم، ومن هنا نجد الصنعاني يثني كثيرًا على ابن تيمية وابن القيم، فوصف ابن تيمية بالعلامة شيخ الإسلام، وبتبحره في العلوم وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف (17) .

وقال عن ابن القيم:"إنه الذي أتى بنفيسي العلم في كل ما يبدي"، ولما سمع بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فرح كثيرًا بظهوره، وما ذلك إلا أنه لأنه يحب عقيدة السلف ويجاهد لنشرها ويرغب أن يعم خيرها البلاد والعباد، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك.

وكما كان يثني على السلف كان يحذر ويذم أهل البدع والضلال. يقول الأستاذ قاسم غالب ورفقاه عن الأمير:"ولم يكتف ابن الأمير بدارسة الكتب التي تخدم مذهبه ولكنه كان لا يقع على كتاب ينحرف فيه صاحبه عن القصد، حتى يلفت النظر إلى انحرافه، ويدعو مدرسته إلى الاحتراس منه، قرأ كتاب"الإنسان الكامل"للجيلي فأرسل وراءه قصيدة يقول فيها:"

هذا كتاب كله جهل

وخلاف ما جاءت به الرسل

قد ضل أقوام برؤيته

فغدوا وليس لدينهم ظل (18)

وبعد: فها هي الأصول والقواعد التي كان عليها الصنعاني ودعا إليها وسار عليها من خلال ما سطره هو في كتبه، فأين نضع الرجل بعد ذلك؟ لا يمكن أن يكون إلا من أهل السنة والجماعة الذين كانوا على عقيدة السلف وساروا عليها، وجاهدوا وحوربوا من أجل التمسك بها في عصر لا يعرف إلا الجهل والخرافة.

وقد يقول قائل: للصنعاني بعض المخالفات للسلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الصفات وكمسألة خلق أفعال العباد.

أقول: الصنعاني حاول جاهدًا تحرير هذه المسألة، ولكنه لم يتمكن وهو وسط هذا الجو الخانق من معرفة الحق فيها، ومع هذا فهو رجح ما ترجح عنده دون متابعة لفرقة معينة أو مذهب معين، وقد سبق بيان عدم متابعته للمعتزلة والأشاعرة، وأحيانًا تقوم بالعالم شبهات لا يتمكن من التخلص منها، لعدم الموجه الصادق أثناء الطلب، ولعدم توفر كتب السلف والعاملين بها كما في بيئة الصنعاني.

ثانيًا: مذهبه:

مذهب الصنعاني يلتقي مع عقيدته، فليس له مذهب إلا ما جاء في الكتاب والسنة، لذلك تجده يدعو إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، ويؤلف كتابًا خاصًا في ذلك ليعالج قضية الاجتهاد والتقليد، ولقد فند في كتابه حجج المانعين للاجتهاد مبينًا أن التعصب للمذهب هو الذي دفعهم إلى ذلك، وعاد إلى تعظيم السنن والانقياد لها وترك الاعتراض عليها، ومن أقواله في ذلك:"وقد منع أئمة الدين معارضة سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بأقوال غيره من الأئمة المجتهدين" (18) .

ونقل عن الشيخ محمد حياة السندي قوله:"فمن تعصب لواحد معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو ضال جاهل، بل قد يكون كافرًا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد معين من هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم دون الآخرين، فقد جعله بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر" (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت