الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
أيها المسلمون: يقول الله جل وعلا: (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) ) ( النور:31,30 ) .
يأمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يبلغ المؤمنين والمؤمنات أن يلتزموا بغض النظر وحفظ الفرج عن الزنا ثم أوضح سبحانه أن هذا الأمر أزكى لهم. ومعلوم أن حفظ الفرج من الفاحشة إنما يكون باجتناب وسائلها ولا شك أن إطلاق البصر واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها من أعظم وسائل وقوع الفاحشة، وهذان الأمران المطلوبان من المؤمن يستحيل تحققهما منه وهو يعمل مع المرأة الأجنبية كزميلة أو مشاركة في العمل له. فاقتحامها هذا الميدان معه واقتحامه الميدان معها لا شك أنه من الأمور التي يستحيل معها غض البصر وإحصان الفرج والحصول على زكاة النفس وطهارتها.
وهكذا أمر الله المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وأمرهن الله بإسدال الخمار على الجيوب المتضمن ستر رأسها ووجهها؛ لأن الجيب محل الرأس والوجه، فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟ والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير، كيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبا إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما تقوم به ؟
والإسلام حرم جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المحرمة، وكذلك حرم الإسلام على النساء خضوعهن بالقول للرجال لكونه يفضي إلي الطمع فيهن كما في قوله عز وجل: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) ) (الأحزاب:32) .
يعني مرض الشهوة . فكيف يمكن التحفظ من ذلك مع الاختلاط؟
ومن البدهي أنها إذا نزلت إلى ميدان الرجال لا بد أن تكلمهم وأن يكلموها، ولا بد أن ترقق لهم الكلام وأن يرققوا لها الكلام، والشيطان من وراء ذلك يزين ويحسن ويدعو إلى الفاحشة حتى يقعوا فريسة له، والله حكيم عليم حيث أمر المرأة بالحجاب، وما ذاك إلا لأن الناس فيهم البر والفاجر والطاهر والعاهر فالحجاب يمنع- بإذن الله- من الفتنة ويحجز دواعيها، وتحصل به طهارة قلوب الرجال والنساء، والبعد عن مظان التهمة قال الله عز وجل: (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ) ( الأحزاب: 53) .
وخير حجاب المرأة بعد حجاب وجهها باللباس هو بيتها. وحرم عليها الإسلام مخالطة الرجال الأجانب؛ لئلا تعرض نفسها للفتنة بطريق مباشر أو غير مباشر، وأمرها بالقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا لحاجة مباحة مع لزوم الأدب الشرعي، وقد سمى الله مكث المرأة في بيتها قرارا، وهذا المعنى من أسمى المعاني الرفيعة ففيه استقرار لنفسها وراحة لقلبها وانشراح لصدرها. فخروجها عن هذا القرار يفضي إلى اضطراب نفسها وقلق قلبها وضيق صدرها وتعريضها لما لا تحمد عقباه، ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم وعن السفر إلا مع ذي محرم، سدا لذريعة الفساد وإغلاقا لباب الإثم وحسما لأسباب الشر، وحماية للنوعين من مكايد الشيطان، ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) )
اللهم أصلح أحوال المسلمين ورد ضالهم إليك رداً جميلا .
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبيكم كما أمركم الله بذلك ,,,
ـــــــــــــــ
* أصل الخطبة مقال لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وتم تعديلها وإضافة بعض الأشياء اليسيرة لتناسب الخطبة .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً ..
إخوة الإسلام: ولا زالت سحائب الخير تُضللنا في رمضان، ومن ذا الذي ينكرُ ما لشهرِ رمضان من فضائل ومزايا حَريةٌ بالوقفةِ والبيان.
وفي المقابل ألا يوجدُ في حياتنا تناقضاتٌ ربما تظهر أكثر في رمضان، وهذه كذلك حريةٌ بالوقفة والبيان .
أيها المسلمون: نسائمُ رمضان أكثرُ من أن تُحصى في القديم والحديث، وعلى الفرد والمجتمع والأمة، ولكن دعونا نخاطبُ أنفسنا، ونتلمسُ شيئاً من نسمات رمضان وفضائله في واقعنا، أليست الفرحة والبشرى عمَّت الصغير والكبير، والذكر والأنثى بحلولِ شهر رمضان؟ وتلك علامة خيرٍ، والله يقول: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ) (يونس:58) .
أليس سوقُ المراقبة لله يروج ويشتدُّ في رمضان، والصائمُ يمتنع عما أحل الله له، ولا رقيب عليه في ذلك إلا الله، والصائمون يضربون في ذلك أروع الأمثلة حتى عاد ذلك ديدناً للصغير والكبير، والمسافر والمقيم، والصحيح والسقيم، إلا من عُذر بالإفطار فتلك رخصةٌ من رخُص الله (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ) (الحج:78) .
إن مساجدنا تُعمر بالمصلين أكثر في رمضان، وقد يعود فيها شاردٌ إلى ربه، وقد يألف المسجد على الدوام من كان هاجراً له في بعض الزمان.
وإن بيوتنا أضحت موئلاً للملائكةِ لكثرة ما يُتلى فيها من القرآن، أو زيادة النوافل في رمضان، ولربما بات البعضُ منها موئلاً للشياطين حيناً من الدهر لكثرة الصور، أو لتعالي أصوات الغِناء، أو لقلة الذكر وكثرة الغفلة فيها.
أيها الصائمون: ألستم تجدون في أنفسكم لذَّة الصيام وإن مُنعتم الشهوات؟ إنها المجاهدة على الطاعة (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ) (العنكبوت: من الآية69) .
أولستم تخافون الله وتطيعونه حين تتقربون إليه بالصيام؟ فأبشروا بالعوض والله يقول: (( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) ) (الرحمن:46) ، ويقول: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) ) (النازعات:40-41) .
العمرة في رمضان تعدل حجة، والريان بابٌ خاص بالصائمين في الجنة.
أولستم تفرحون عند الإفطار في الدنيا ؟ فلَفرحتكم حين تلقون ربَّكم في الآخرة أشدُّ وأبقى (( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ ) ).