أجل إن يوم الفرقان كان في رمضان، وكانت وقعةُ بدرٍ ملحمةً عظمى انتصر فيها الحقُّ على الباطل رغم فارق العدد والعدة، وشاء الله أن تقع المعركة على غير ميعاد، بل والمسلمون لها كارهون، ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، ولكن الله كان يريد المعركة، ويريد الله أن يحقَّ الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحقق الحقَّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون .
وتعلَّم المسلمون من معركة بدر: أن القوة المادية ليست وحدها ميزان المعركة، كيف لا والمؤمنون يقرءون في كتاب ربهم أنهم إذا صدقوا وأخلصوا وأعدوا ما استطاعوا من قوة نصرهم الله على عدوهم وعذب الله الكافرين بأيديهم وتأملوا دقة التعبير في قوله تعالى: (( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) ) (التوبة:14) .
لقد كانت معركة (بدرٍ) الرمضانية فرقاناً كما سماها الله بين الحق والباطل وبين التوحيد والشرك، وبين عهد الضعف والأمر بالصبر والانتظار وكف الأيدي، وبين عهد القوة والجهاد في سبيل الله، والذي استمر في الفتوح على أيدي المسلمين حتى وإن انتقل الرسول صلى الله عليه إلى الرفيق الأعلى .
وكانت (بدرُ) فرقاناً في موازين عوامل النصر والهزيمة، فقد خرجت قريش تجر أثواب الكبر والخيلاء بطراً ورءاءَ الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط، وما هي إلا لحظات حتى تطامنت الكبرياء، وأرغمت أنوفُ الملأ من قريش ما بين قتيل وأسيرٍ، وحين نتجاوز ما حصل لأبي جهل ومن لقي مثل مصيره من صناديد قريش من أصحاب القليب، ونلتفت إلى الأسرى، وفيهم كبراء وملاءٌ من قريش.
نقف كذلك على نوع من دروس بدر في نُصرة الحقِّ ولو بعد حين وفي قصة سهيل بن عمرو بن عبد شمس ما يؤكد ذلك، فقد وقع سُهيلٌ ممثلُ قريشٍ في صلح الحديبية في الأسر في معركة بدر، وقد كان أحد أشراف مكة، وخطيب قريش المشهور، وكان لخُطبه أثرٌ كبيرٌ في محاربة المسلمين، وحين تقرر إطلاقٌ سراحه من الأسر بعد دفع الفداء عنه، تقدم الفاروق عمر رضي الله عنه إلى رسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: انزع ثنيتي سهيل حتى يدلعَ لسانه فلا يقومُ عليك خطيباً في موضع أبداً، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وقال لعمر: (( دعه، فعسى أن يقومَ مقاماً تحمده ) ) [1] .
ومضت الأيامُ سراعاً، وأسلمُ فيما بعد سهيلٌ، وصدقت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحين ارتد من ارتد من العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كان لسهيلُ موقفٌ يُحمد عليه، فقد بلغه أن بعضَ أهل مكةَ همَّ بالردَّة، وكان سهيلُ سيداً مطاعاً فيهم، فوقف خطيباً وقال: ( يا أهل مكة، لا تكونوا آخر الناس إسلاماً وأولهم ارتداداً ، والله من رابنا من أمره شيءٌ ضربنا عنقه كائناً من كان) .
قال ابن حجر: وخطبهم بنحو ما خطب الصديقُ أهل المدينة [2] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أيها المسلمون: ليس الحديثُ عن معركة بدرٍ بالتفصيل وإلا لطال الكلام وفي المعركة دروسٌ وعبرٌ تستحق الوقفة والنظر، ولكنني في هذا المقام أكتفي بعرض موقفٍ آخر في صف المسلمين، بعد أن عَرضتُ لموقفٍ في صف المشركين وهو مؤشرٌ على صدق المسلمين في الجهاد، وتنافسهم على الشهادة في سبيل الله.
فهذا سعدُ بن خيثمةُ بن الحارث ، وأبوه خيثمة رضي الله عنه اختلفا أيُّهما يخرجُ مع الرسول صلى الله عليه وسلم للمعركة، وأيهما يبقى مع النساء! إذ لابد لأحدهما أن يقيم، فقال الأب - وهو شيخ كبير- لابنه مستخدماً حقَّ الأبوة: آثرني بالخروج وأقم أنت مع النساء، فأبى الولدُ سعدُ - لا عصياناً ولا عقوقاً- ولكن رغبةً فيما عند الله وقال: لو كان ذلك غير الجنة آثرتُك به، وإني لأرجو الشهادة في وجهي هذا .
واشتدَّ الخلافُ بينهما كلُّ يريد الخروج (لبدر) فلم يجدا حلاً إلا أن يستهما، فخرج السهمُ لسعد - الابن- فخرج فاستشهد يوم بدر [3]
تأملوا في هذه الصورة وقارنوا بينها وبين واحدٍ من زعامات قريش وهو أبو لهب الذي خاف من الخروج لبدر رغم عداوته للرسول r والمسلمين، ولم يحضر المعركة، وأناب عنه رجلاً بثلاثة آلاف دينار، ولكن الله قتله بآثار المعركة، فحين سمع بنتيجة المعركة وهزيمة المشركين كان الخبرُ قاسياً عليه، فأصابته الحمى، ويُقال: إنه مات كمداً وغيظاً.
وعموماً ففي معركة بدر عدةُ معالم ، من أهمها:
* أن الظلم له نهاية والمكر السيئ يحيق بأهله، ومن مقولة زعماء قريش: لابد أن نرد بدراً ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان وتعلم العرب أنَّا نحن الناس، وبين هذه الكبرياء، وصرعاهم في القليب عبرةً لمن اعتبر.
* أن النصر مع الصبر، وحين يصدق المسلمون يمدهم الله بجند من عنده، ومن تأمل عوامل النصر الإلهية في بدر أدراك ذلك:
النعاس والأمنة . الملائكة والتثبيت . نزول المطر المثبت للأقدام والمذهب لرجز الشيطان . تقليل المشركين في أعين المسلمين والعكس ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ).
أن الفارق الزمني بين العظمة والاستكبار والسقوط والإندثار قصير، وبين معركة بدر وفتح مكة ست سنوات، وهي قليلة في عمر الزمن واختلاف القِوى .
ذلك هو الإسلام الحق ، وتلك هي الجاهلية والباطل .
[1] (البداية والنهاية 3/311) .
[2] (الإصابة 4/146، سير أعلام النبلاء 2/194، خطب د . عبد الرحمن المحمود 377) .
[3] (الإصابة لابن حجر 4/140، سير أعلام النبلاء للذهبي 1/266، خطب المحمود 143) .
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يُهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يضلل فلا هاديَ له .
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .
أما بعدُ أيها المسلمون:
فإنَّ الناظر في تاريخِ هذه الأمةِ, وفي عصورِها المتقدمةِ على وجهِ الخصوص ، يلحظُ بوضوحٍ ما بذله أسلافُنا من علماءِ الأمةِ وباحثيها، من الجهود المذهلة ، والإبداعاتِ الخارقة في إذكاءِ الحركةِ العلميةِ في ديارِ الإسلام شرقاً وغرباً, كالمدينةِ والبصرةِ والشام وأرض خرا سان وما ورائها، وبلاد المغربِ العربي .