فقد نشطتْ حركةُ التأليفِ بشكلٍ غيرِ عادي، فأثمرتْ ثمرات يانعة ونتاجاً فكرياً خارقاً للعادة, وتُراثاً ضخماً من الكتبِ والمصنفات, وعرفتْ الأمةُ فحولاً جهابذة ، وشيوخاً عباقرة لا تزال الأمةُ تترحمُ عليهم وتذكرُهم بخير كلَّما لاح ذكرُهم, أو طافَ بالأذهانِ خيالُهم، وكان ممَّا اعتنى به أولئك الأفذاذ, تعليماً وتصنيفاً، كتابَ اللهِ جلَّ جلاله وتقدستْ أسماؤُه, فقد أولَوه عنايةً خاصة واهتماماً مميزاً, فتصدى جماعةٌ منهم إلى إقرائه وتدريسِه في حلقهِم ومساجدهم, واتجه آخرون إلى وضعِ مصنفاتٍ ضخمة في تفسيرِ الكتابِ العزيز، كان من هؤلاءِ النوادر، الإمامُ ابنُ جريرٍ الطبري، والإمامُ البغوي، والإمامُ ابن كثير، قدَّس الله أرواحَهم وأنزلَ عليهم شآبيبَ رحمتِه وكريمَ فضلِه وإحسانه، وقد نالَ هؤلاء الأئمةُ على وجهِ الخصوص ثقةَ الأمةِ بهم، واعتنتْ بمصنفاتِهم التي لا تزالُ مراجعَ معتمدة، ومصادرَ أصيلة تنهلُ من معينِها الأجيال, إلاَّ أنه مع جلالةِ هؤلاءِ العلماءِ الأفاضل، ورسوخِ أقدامِهم في العلمِ والفقه، فقد وقعوا في هفواتٍ لا يُقرَّون عليها وضمَّنوا مصنفا تِهم في التفسيرِ خاصة ما لا ينبغي السكوتُ عنه طرفةَ عين، نصحاً لكتابِ الله جلَّ جلاله، فإنَّ من تمامِ النصحِ لكتابِ الله التنبيهَ إلى أخطاءِ المفسرين وشطحا تِهم، لا سيما مشاهير هم وكبار ُهم، خشيةً من اغترارِ الناس بها، ومن ثمَّ انزلاقُهم إلى مفاهيم خطرة خصوصاً وهي تتعلقُ بأبواب العقيدة، وكونها ذاتَ صلةٍ مباشرة بما يجبُ اعتقاده تُجاهَ مقامِ الأنبياءِ وعصمتهم .
وعلى كلِّ حال فالتماسُ العذرِ لهم شيءٌ, وبيانُ كونِهم أخطئوا شيءٌ آخر، وكفى بالمرءِ شرفاً أنْ تعدَّ معا يبه, وهاك أخي المسلم أمثلةً ونماذج لأخطاءِ أولئك المفسرين من العمالقة حتى لا تغترَّ بها, فتزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها .
أولاً: فعند تفسير قوله تعالى: (( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) ) (الأحزاب37) .
هذه الآيةُ العظيمةُ من سورةِ الأحزاب ، كَتَبَ ابنُ جريرٍ سامحه اللهُ في تفسيرِها ما مُلخصُه، أنَّ زينبَ بنتَ جحش رآها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته, وهي في عصمةِ مولاه زيدِ بن حارثة، فأُلقي في نفسِ زيدٍ كراهيتُها لِما علمَ اللهُ ممَّا وقع في نفس نبيه, يعني ما وقع في نفس نبيه من محبتها, فأراد زيدُ فراقَها، فذكرَ ذلك لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسولُ الله أمسكْ عليك زوجكَ، مع أنَّه عليه السلام كانَ في حقيقةِ الأمر يُحب أنْ يفارقَها زيدٌ لينكحَها. (( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ) ) (الأحزاب37) .
وتُخفي يا محمد في نفسِك محبةَ فراقِ زيدٍ لزينب لتتزوجَها بعده، وتخشى الناس واللهُ أحقُّ أن تخشاه, تخافُ أن يقولَ الناس أمرَ رجلاً بطلاقِ امرأتِه ونكحهَا حين طلَّقها، واللهُ أحقُّ أن تخشاه، ثم ساق سامحهُ اللهُ رواياتٍ مُنكرة, منها ما رواه عن عبد الرحمن بن زيد , كان النبيُ عليه السلام قد زوَّج زيدَ بنَ حارثة، زينبَ بنتَ جحش ابنةَ عمته ، فخرجَ رسولُ الله r إلى بيتِ زيدٍ يبحثُ عنه، وعلى باب البيت سترٌ من شعر، فرفعت الريحُ السترَ فانكشفَ البيتُ وزينبُ في حجرتِها حاسرة، فوقعَ إعجابُها في قلبِ النبيِ r .
وأما الإمامُ البغوي: فيقولُ بشأنِ هذه القضية، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً ذاتَ يومٍ لحاجة، فأبصَر زينبَ قائمةً في درعٍ وخمار وكانتْ بيضاءَ جميلة، ذاتَ خَلْقٍ من أتمِ نساءِ قريش، فوقعتْ في نفسِه وأعجبهُ حسنُها، فقالَ سبحان الله مقلبَ القلوب، وانصرف .
سامحَ اللهُ الإمامين الفاضلين: يوم ساقا تلكَ الرواياتِ الهالكة التي تقدحُ في مقامِ سيدِ الخلقِ وأشرفهِم، وأعفهِم وأطهرِهم، إذ أنَّ مقتضى تلكَ الروايات أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُجيزُ لنفسِه إطلاقَ بصره يتأملُ جمالَ زينبَ وحسنَها، ثم يقعُ حبُها في قلبِه وهي في عصمةِ رجل, ثم يغالط نفسَه ويُظهر ما لا يُبطن .
فيأمرُ زيداً بإمساكِها مع تمنيهِ أن يفارقَها في قرارةِ نفسِه, عجيبٌ أن يجترئَ الإمامان الفاضلان على ذكرِ تلكَ الأقاويلِ الساقطة، والرواياتِ الهابطة، أما كانَ يَسَعْهُما ما وَسِعَ ابنَ كثير الذي أعرضَ عن ذكرِ تلك الروايات .
وقال رحمه اللهُ أحببنا أن نضربَ عنها صفحاً لعدمِ صحتِها, إنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكن جاهلاً بجمالِ ابنةِ عمته زينب, فقد كان يعرفها حقَّ المعرفة سيما قبلَ نزولِ الحجاب، ولو كان يريدُها لخطبَها لنفسِه ولم يزوجْها لزيدٍ مولاه، الذي كان يعاملُه كولدِه، وحاشاه عليه السلام أنْ يقعَ في نفسِه الشريفة حبُ زوجةِ مولاه، وإذا كان الآباءُ يأنفونَ من ذلك فكيفَ يصحُ نسبتَه ذلكَ إلى النبيِ المعصوم r .
وأما التفسير الصحيح للآية , فهو:
أنَّ الله تعالى قد أطلعَ نبيَه الكريمَ عليه السلام أنَّ زيداً سيطلقُ زينب، وأنها ستكونُ له زوجةٌ من بعدِ زيد, فلما أخبرهُ زيدٌ بأنهَّ سيُطلقها وعظهُ رسولُ الله، وقال أمسكْ عليك زوجك مع علمهِ بأنَّ الطلاقَ واقعٌ لا محالة، ولكنَّه عليه السلام خشيَ من حديثِ الناس أن يقولوا تزوجَ مُطلقة ابنه, فهذا هو الذي كان يخشاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوعظه ربُه بقولهِ وتخشى النَّاس واللهُ أحقَّ أن تخشاه، فهذا هو المعنى الصحيح في تفسيرِ الآية، فتمسكْ به أخي المسلم، وعضَّ عليه بالنواجذ، أحذر أن تعتقدَ في نبيِك ما لا يَليق فتزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها, والمعصومُ من عصمه الله.
ثانياً: ممَّا وقعَ فيه المفسرون من أخطاء، فهو عند تفسيرهم للآيةِ الشهيرةِ التي ذكرها البارئ جلَّ جلاله في مَعْرِضِ قصةِ يوسفَ عليه السلام ، وهي قوله: (( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ) (يوسف:24) .
فقد ساقَ ابنُ جريرٍ والبغوي آثاراً ورواياتٍ لا تقلُ شناعةً عن سابقتِها, فعند ابنِ جرير رواياتٌ مسندةٌ عن ابنِ عباس وغيرِه، أنَّ نبيَّ اللهِ يوسفَ عليه السلام، جلسَ بين رجلَيها مجلسَ الخاتن، وحلَّ هيُما نَه وثيابَه، وذكر البغوي نحوَ ذلك ممَّا يقدحُ بنبيٍ عظيمٍ كريمٍ من سلالةِ أنبياءَ عُظماء، فهو النبيُ ابنُ النبي ابنِ النبيِ ابنِ النبي ، عليه وعليهم أفضلُ الصلاة والتسليم .
واسمعْ رعاك الله ! إلى قولِ شيخِ الإسلام ابنِ تيميه - رحمهُ الله - وهو يُفنِّدُ تلكَ الأقاويل ويحكمُ ببطلانِها، وهو الإمامُ المشهودُ له برسوخ ِ العلم وسعةِ الإطلاع، وقوةِ الملكةِ والتحقيق .
قال رحمه الله: وأما ما يُنقل من أنَّه حلَّ ثيابَه وجلس منها مجلسَ الرجلِ من المرأة ، وأنَّه رأى صورةَ أبيهِ يعقوب عاضاً على يده، وأمثالُ ذلك فكلهُ ممَّا لم يخبرِ اللهُ بهِ, ولا رسولُه ، وما لمْ يكنْ كذلك فإنَّما هو مأخوذٌ عن اليهود الذي همْ من أعظمِ الناسِ كذباً على الأنبياء، وقدحاً فيهم ، لمْ ينقلْ أحدٌ عن نبينا r حرفاً واحداً .