فهرس الكتاب

الصفحة 8425 من 9994

وأمَّا الشنقيطي رحمهُ الله . فله كلامٌ نفيسٌ في تصحيحِ ما زلتْ به أقلامُ المفسرين, فقد كتبَ في أضواءِ البيان ما نصُه, ظاهرُ هذهِ الآيةِ الكريمة قد يُفهمُ منه ، أنَّ يوسفَ عليه السلام همَّ بأنْ يفعلَ مع المرأة مثلَ ما همتْ هي بهِ منهُ ، ولكنَّ القرآنَ الكريم بيَّن براءتَه عليه الصلاةُ السلام من الوقوعِ فيما لا ينبغي، حيثُ بيَّن شهادةَ كلِّ من له تعلقٌ بالمسألةِ ببراءتِه وشهادةُ اللهِ له بذلك، واعترافُ إبليس به, أما الذين لهم تعلقٌ بتلكَ الواقعة فهم: يوسفُ, والمرأةُ, وزوجُها, والنسوةُ, والشهود .

أما جزمُ يوسف بأنَّه برئٌ من تلكَ المعصيةِ فهو قولُه: (( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) ) (يوسف: 26) .

وقوله: (( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه ) ) (يوسف: 33) .

وأما اعترافُ المرأة بذلك فهو قولُها: (( وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) ) (يوسف: 32) .

وقولها: (( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) ) (يوسف: 51) .

وأما اعترافُ زوجِ المرأةِ ببراءتِه, فهو قولُه: (( قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) ) ( يوسف: 29,28) .

وأما اعترافُ الشهودِ ببراءتهِ ، فهو قولُ أحدهم: (( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ) ( يوسف: 26) .فهكذا كان .

وأما شهادةُ اللهِ له بالبراءة ، فهو قولُه: (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ) (يوسف: 24) .

ثم قال رحمه الله -أعني الشنقيطي - فإنْ تكونوا قد بينتم دلالةَ القرآنِ على براءتِه عليهِ السلام ، ممَّا لا ينبغي في الآياتِ المتقدمة، ولكنْ ماذا تقولونَ في قوله (( وَهَمَّ بِهَا ) )فالجوابُ من وجهين:

الوجه الأول: أنَّ المرادَ بهمِ يوسف ، خاطرٌ قلبي مجردُ خاطر، صرفه عنه وازعُ التقوى، وهذا الميلُ والخاطر طبيعيٌ لا مؤاخذة فيه ، كميلِ الصائمِ للماءِ البارد مع أنَّ تقواهُ تمنعهُ عن الشرب .

الوجه الثاني: فإنَّه لم يقع من يوسفَ عليه السلام همٌ أصلاً, بل هو منفيٌ عنه لوجود البرهان, فالآية تقول: (( َهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) ) (يوسف: 24) .

أي لولا أن رأى برهانَ ربِّه لهمَّ بها إلى أنْ قال وبهذا تَعلم أنَّه لا ينبغي التجرؤ على القولِ في نبيِ اللهِ يوسفَ اعتماداً على مثلِ تلكَ الروايات .

فأحذرْ أخي الكريم , أن تعتقدَ أن لنبيَ الله يوسفَ وغيره ما لا يحلُّ لك وإن وقعَ في ذلك كبارُ الأئمةِ وأعلامهم , فالمعصوم من عصمه الله .

ثالثا: ممَّا وقع فيه المفسرون من أخطاءٍ وتجاوزات، ما كتبوهُ عند تفسيرِهم لقوله تعالى: (( َهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ* قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ) ) (ص:21-23) .

فقد ذكر ابنُ جريرٍ الطبري وكذلك البغوي وغيرُهما, رواياتٍ غريبة كلُّها قدحٌ في مقامِ نبوةِ داودَ عليه السلام .

لقد أوردوا رواياتٍ مضمونُها، أنَّ داودَ عليه السلام قد نظرَ إلى امرأةٍ جميلةٍ حسناء وهي تغتسلُ فوقَ سَطح بيتها فأعجبَ بها, وسأل عنها فقيل هي زوجةٌ لأحد جنودك واسمُه فلان، فوضعَ خطةً ماكرة للتخلص من زوجِها، فقد أرسلهُ إلى الجهادِ في سبيلِ الله، وأمرَ قائدَ الجندِ أن يجعَله في مقدمةِ الجنود حتى يُعرِّضَهُ للقتل ، ولمْ يزلْ بهِ من معركةٍ لأُخرى ومن موقعةٍ لموقعة، حتى قُتل وتخلص منه، ثم خطبَ امرأتَه وتزوجها, سبحانك هذا بهتانٌ عظيم, إنَّه كلامٌ يُدمي القلوب ويَقضُ المضاجع، أيمكنُ أن يجترئ على هذا الضيعِ اللئيمِ، إلا ميتُ الضمير عديمُ الإحساس، غليظُ القلب, كيف يُظنُ بنبيٍ كريم اصطفاه اللهُ من بين الخلائق مثل هذا, كيف يمكنُ أن يقعَ منه هذا الأمرُ المهول مكرٌ وخداع، وعشقٌ وغرام,إنها روايات ساقطة، وتأويلات هابطة، وكلامٌ فارغ ولولا أنَّ الذي كتبَ ذلك أئمةٌ كبار نعتزُ ونفتخرُ بهم، لما أضَعنا الجهدَ في تصويبِ أخطائهم، ولكنْ لما لهم من المكانةِ العظمى والمنزلةِ الكبرى في نفوس علماءِ الأمة, وطلبةِ العلم كان واجباً التنبيهُ إليها خشيةَ الاغترارِ بها، والانخداعِ بالأسماءِ اللامعةِ لمن كتبها .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين . أمَّا بعدُ:

وأما ابن كثير رحمه الله فقد أورد عند تفسيره لقوله تعالى: (( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) ) (النساء:64) .

أورد عند تفسيرها حكايةً غريبةً عن رجلٍ يقالُ له العُتبي، قال: كنتُ جالساً عند قبرِ النبيِ r فجاء أعرابيٌ فقال السلامُ عليك يا رسول الله، سمعتُ الله يقول: (( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) ) (النساء: 64) .

وقد جئتُك مستغفراً لذنبي ، مستشفعاً بكَ إلى ربِّي, ثم أنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنتْ بالقاعِ أعظمُه نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنهُ

فطابَ من طيبهن القاعُ والأكمُ فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ

قال العُتبي, ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيتُ النبيَّ عليه السلام في النوم، فقال: يا عُتبي الحقْ الأعرابي فبشِّره أنَّ اللهَ قد غفَر له.

أيها الأحبةُ في الله: أوردَ ابنُ كثيرٍ هذه القصةِ الباطلة، ولم يعلقْ عليها بشيء ومضمونُها جوازُ التوسلِ بالنبيِ عليه السلام بعد موتِه، وهذا شركٌ خطيرٌ مخرجٌ من الملة، ومع ذلك أوردهُ ابنُ كثيرٍ في كتابه الذي قرأه ويقرأُه الملايين، دون أنْ يتعقبَ تلك القصةَ ببيانِ بطلانِها, وبطلانِ ما دلت عليه .

وقد طار بها القبوريونَ فرحاً، وقالوا: هذا إمامُكم ابنُ كثير أورد القصةَ وسكت عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت