فهرس الكتاب

الصفحة 5446 من 9994

#صلة الأرحام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واتبعوا ما جاءكم به رسوله صلى الله عليه وسلم من الدين والشرع القويم، فإن في اتباع الرسول الفلاح والعاقبة المرضية، وفي مخالفة أمره الشقاء والعذاب الشديد.. وكان مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من ديننا الحنيف، ومما هو من الأمور المطلوبة شرعاً وعرفاً وضميراً: صلة الأرحام، وقد دلت الآيات والأحاديث على وجوب الصلة، وحرمة قطع الأرحام، وفضيلة الإحسان إليهم، وقد أخذ اسم الرحم من الرحمة؛ لأن الأرحام يرق لهن ويعطف عليهن..

مدح الله تعالى الواصلين ما أمر الله به أن يوصل، فقال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} 1 وذم القاطعين ذماً شديداً فقال: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} 2 وقال -سبحانه- مهدداً المفسدين في الأرض وقاطعي الأرحام: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} 3.

ووصّى الله تعالى بذوي الأرحام خيراًَ فقال: { وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} 4 وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} 5 وقال -سبحانه-: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } 6 فهذه آيات كريمات تأمر بالصلة، وتنهى عن قطيعة الأرحام.. فهل عقلتم الخطاب عن ربكم يا مسلمون؟ أم أن بعض الناس لأرحامهم قاطعون، وهم في غيهم يعمهون، وفي معاصي ربهم يترددون، وعن شرعه يصدون، وعن أوامره لاهون غافلون؟!

وإلى جانب الآيات القرآنية جاءت الأحاديث النبوية تؤكد هذا الأمر، وتجعله من أعلى أخلاق الإسلام التي جاء بها، ورسول الله قدوتنا في ذلك، فقد أمر بالإحسان إلى الأرحام، وكان أفضل الناس صلة، فمما ثبت عنه قوله: (( الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ) )7. وقال: (( صلة الرحم، وحسن الجوار،- أو حسن الخلق- يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار ) )8 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الرحم شجنة 9 متمسكة بالعرش تَكلَّم بلسان ذلْق: اللهم صِلْ من وصلني، واقطع من قطعني، فيقول الله -تبارك وتعالى-: أنا الرحيم الرحمن، وإني شققت للرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثته ) )10.كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرَّحِمُ فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال:"نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟"قالت: بلى يا رب، قال:"فذاك لك") )ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} 11 .

ولما سأل هرقلُ أبا سفيان -قبل أن يسلم وكان في تجارة في بلاد الشام- عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وبماذا يأمرهم ؟ قال: يقول: ( اعبدوا الله واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة..) الحديث12 . فكانت الدعوة إلى صلة الأرحام من أول ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله ماله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أَرَبٌ ما له! تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِم ) )13. وكان هذا مما يوصي به رسول الله أصحابه، فقد ورد عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: ( أوصاني خليلي: أن لا تأخذني في الله لومة لائم، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرَتْ) 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت