#خطبة استسقاء ... ...
سعود الشريم ... ...
ملخص الخطبة ... ...
1-فضل التقوى. 2- التحذير من الاغترار بفتنة الدنيا. 3- فضل اليقين بالله تعالى والتوكل عليه. 4- غربة الدين في هذا الزمان. 5- آثار الذنوب والمعاصي. 6- الحث على التوبة والاستغفار. 7- دعاء. ... ...
الخطبة الأولى ... ...
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، التي هي الزاد وبها المعاد، زادٌ مبلِّغ، ومَعاد مُنجح، دعا إليها أسمعُ داع، ووعاها أفقهُ واع، فأسمَع داعيها، وفاز واعيها.
عباد الله، إن تقوى الله سبحانه حمت أولياءَ الله محارمَه، وألزمت قلوبهم مخافتَه، استقربوا الأجل فبادروا العمل، وكذّبوا الأمل فلاحظوا الأجل.
ثم إن الدنيا دارُ فناء وعناء، وإن ملكَ الموت لموتِرٌ قوْسَه، لا تخطئ سهامُه، ولا توصَى جراحُه، فبادروا العمل، وخافوا بعتة الأجل، فإنه لا يرجَى من رجعة العمر ما يُرجى من رجعة الرزق، فإن الرجاء مع الجائي، واليأسَ مع الماضي، وإن من العناء ـ عباد الله ـ أن يجمع المرءُ ما لا يأكل، ويبنيَ ما لا يسكن، ثم يخرجَ إلى الله، لا مالا حمل ولا بناءً نقل، فسبحان الله، ما أغرَّ سرورَ الدنيا، وأظمأ رِيَّها، وأضحى فيأَها، فلا جاءٍ يُردّ، ولا ماضٍ يرتدّ.
أيها الناس، إنه ليس شيءٌ بشّر من الشر إلا عقابُه، وليس شيءٌ بخير من الخير إلا ثوابُه، واعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خيرٌ مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا، فكم من منقوصٍ رابح، وكم من مزيد خاسر. ألا وإن الذي أُمرتم به أوسعُ من الذي نُهيتم عنه، وما أُحلَّ لكم أكثرُ مما حرِّم عليكم، فذروا ما قلّ لما كثر، وما ضاق لما اتّسع.
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
أيها الناس، إن خير ما أُلقي في الضمائر يقينٌ بالله، يرسخ في القلوب الرواسي، فإيمان صادقٌ بكفاية الله لعباده يدفعُهم إلى تقديم مرضاة ربهم على رضاء خلقه وعبيده، وعلى النقيض من ذلك فِئامٌ من الناس ضعُف فيهم اليقين بالله، فأرضَوا الناسَ بسخط الله، وجاملوهم في معاصي الله، وتعلَّقوا بهم، واشتغلوا عن ربِّهم، رغبةً منهم في نوال حطام الدنيا، أو خوفاً من سطوة ساطٍ أو بغي باغٍ. فحِذار حِذار من مثل صنيع هؤلاء حِذار، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (إن الرجل ليخرج من بيته ومع دينُه، فيلقى الرجلَ وله إليه حاجة، فيقول: أنت كيت وكيت، يثني عليه لعلَّه أن يقضيَ من حاجته شيئاً له، فيسخط الله عليه، فيرجع وما معه من دينه شيء) [1] ، يقول حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: بايعنا رسول الله على أن لا نسأل الناس شيئا. رواه مسلم [2] . حتى إن الرجلَ من الصحابة ليسقط سوطه من على راحلته، فينزل فيأخذه، لا يسأل أحداً أن يناوله إياه.
عباد الله، في أعقاب الزمن تتنكّس الفطر، وتُدرَس معالم الشريعة كما يُدرَس وشيُ الثوب إلا ما شاء الله، وإنه ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شرّ منه حتى تلقوا ربَّكم، وإنكم ستعرفون من الناس وتُنكرون، حتى يأتي على الناس زمن ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، حتى أصبح الكتاب والسنة في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، فاجتمع أقومٌ على الفُرقة، وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب، وليس الكتاب إمامَهم.
ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أن من استنصح اللهَ يوفِّقْه، ومن اتَّخذ قولَه دليلاً هُدي للتي هي أقوم، وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمةَ الله أن يتعاظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمتُه أن يتواضعوا له، وسلامةَ الذين يعلمون ما قُدرتُه أن يستسلموا له، فلا تنفروا من الحق ـ عباد الله ـ نِفار الصحيح من الأجرب، والبارئ من ذي السقم، فالتمسوا الرشدَ ـ رعاكم الله ـ من عند أهله، فإنهم عيشُ العلم، ومَوتُ الجهل، لا يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهدٌ صادق، وصامت ناطق، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِئَايَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] .
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.