فهرس الكتاب

الصفحة 8062 من 9994

أيها المسلمون: إن التوكلَ على الله تعالى لا ينافي بحالٍ من الأحوالِ ؛الأخذُ بالأسباب ، بل إن الأخذَ بها من صدقِ التوكلِ ، وصحةِ الدين ، وسلامةِ العقيدةِ ، وقوةِ اليقين . لكن البلاءَ كلَ البلاء ، والشرَ كلَ الشر ، هو الاعتمادُ على الأسبابِ وحدَها ، ونسيانُ المسببِ وهو اللهُ الواحدُ القهار ، فالاعتمادُ على الأسبابِ خللٌ في الدين ، وتركُ الأخذِ في الأسبابِ خللٌ في العقل ، فالذي يريدُ جهادَ الأعداء ، وحمايةَ حياضِه من هجماتهِم ، لابد له من فعلِ الأسباب ، وذلك بالاستعدادِ بالقوةِ والتدريبِ ونحوها ، ثم يتوكلُ على اللهِ بعد ذلك في حصولِ النصرِ والتمكين . ولا يعتمدُ على السببِ في حصولِ مقصوده ، فإن ذلك نقصٌ في دينهِ ، وخللٌ في عقيدته وإيمانه ، وأما الذي يريدُ انتصارا باهرا ، وفوزا عاجلا ، ثم يجلسُ في بيته ، متكئاً على أريكتِه ، منشغلا بلهوه وطربه ، وأنسه وسهره ، فلا نترددُ في جنونهِ وحمقه ، وغفلتهِ وسذاجته ، فإمامُ المتوكلين عليه الصلاةُ والسلام ، مع عظيمِ توكله ،وصدقِ يقينهِ بالله تعالى ، كان يأخذُ بالأسباب ، ولا يعتمدُ عليها وحدَها ، بل يعتمدُ على اللهِ الواحدِ الأحد ، فقد كان صلى الله عليه وسلم في حروبِه الطويلة ، لا يخوضُ معركةً حتى يعدَّ لها عدَتها ، ويهيأَ لها أسبابَها ، ثم يرفعُ يديه إلى السماء: اللهم منزلَ الكتاب ، ومجريَ السحابِ وهازمَ الأحزابِ ، اهزمهُم وانصرنا عليهم .

أيها المسلمون: إننا بحاجةٍ جدُ والله ماسة ، إلى العنايةٍ بهذا الأصلِ العظيم ـ أعني التوكلَ على الله تعالى ـ فالتوكلُ عليه سبحانه ، كفيلٌ بتصحيح أوضاعنا ، وانتشالنا من تخلفنا وجمودنا ، وتحقيقِ النصر على أعدائنا وخصومنا ، فالله تعالى يقول: (( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ) (الطلاق:3) .

والتوكلُ على الله تعالى تحتاجهُ الأمةُ كلُها ، على كافةِ المستويات ، فالحاكمُ المسلمُ محتاجٌ إلى صدقِ التوكلِ على الله ، وهو يواجهُ التحدياتِ المحيطةَ من كلِ جانب ، والأخطارَ المحدقةَ من كلِ اتجاه ، وهو محتاجٌ إلى صدقِ التوكلِ على الله وهو يواجهُ الكفرةَ والأعداء، بكلِ مكرهمِ وخبثهمِ وكيدهم ، وبكلِ تخويفِهم وتهديدهم ، ومحتاجٌ إلى صدق التوكلِ على الله وهو يواجهُ المرجفين في الأرض ، والمنافقين المندسين في الصفوف ، يزينون الباطلَ ويلمعونه ، ويمكرون المكرَ الخبيث ، ويحتاجُ إلى التوكل على الله تعالى في محاربته لأعداءِ الإسلام ، وجحافلِ الكفرِ والبغي ، فإن النصرَ إنما يُستنزلُ من السماء ، بصدقِ التوكلِ ، وحرارةِ الدعاء ، لا بكثرةِ عددٍ ولا عُدة ، (( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) ) (التوبة:25) .

والتوكل على الله يحتاجهُ العالمُ الرباني ، حين يُحتاجُ إلى كلمتهِ العادلةِ الفاصلة ، في مجرياتِ الأمورِ والأحداث ، وعند حلولِ الفتن والنكبات ، ويحتاجُ إلى التوكل على الله حين تشرأبُ أعناقُ الأمة ، منتظرةٌ فتاويه في دقائقِ الأمورِ وعظائمِها ،فيقولُ كلمةَ الحق ، لا يخشى في اللهِ لومةَ لائم ، والداعيةُ المسلم ، محتاجُ إلى التوكلِ على الله تعالى أياً كان موقعُه ، مدرساً كان أو موظفا ، خطيباً كان أو مسؤولا .

فالدعوةُ طريقٌ شاقٌ وطويل ، تحتاجُ إلى صدقِ اللجأِ إلى الله ، وحسنِ التوكلِ عليه سبحانه ، فالمتربصون بالدعوة كثر ، لا كثرهم الله . والواقفون في طريقها ، متوافرون في كل زمانٍ ومكان ، والتوكلُ على الله تعالى ، يحتاجه رجلُ الحِسبة ، وهو يأمرُ بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويقطعُ دابر الفساد ، غير هيابٍ ولا وجل ، معتمداً على الله وحده ، طالباً العون والتوفيقَ منه سبحانه ، متبرأً من حولهِ وقوةِ نفسه ، وبالجملة فالتوكلُ يحتاجهُ كلُّ من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا .

اللهم ..

[1] ـ جامع الرسائل (1 /96) .

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) )]آل عمران:102[ .

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) )]النساء:.[1

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) )]الأحزاب:70،71 [.

أما بعدُ: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار، أما بعد:

أيها المسلمون:

فيقول الله تعالى في كتابه الكريم: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) (المائدة:8) .

ويقول جلَّ شأنه: (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) ) (الأنعام:152) .

ويأمرُ نبيَه الكريمَ بأنْ يقول: (( وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) ) (الشورى:15) .

والأمرُ بالعدلِ في كتابِ الله كثير, ولسائلٍ أنْ يسأَل ما كلُّ هذه النداءاتِ المتوالية ؟ تأمرُ بالعدلِ وتدعو إلى الإنصاف, وهل استجابَ المؤمنون لنداءِ ربِهم ؟ وهو يتوالى على مسامِعهم, ويصكُ آذانَهم صباحَ مساء؟! هل استجابُوا لنداءِ ربهمِ ؟ أم أنَّ غيابَ الإسلامِ عن حياتِهم قد غيَّب معهُ ذلكَ المبدأَ الجليل، فأصبحَ العدلُ غريباً في واقعهم, هامشياً في علاقاتِهم؟

تجيبُك أيها الأخُ الحبيب نماذجُ أطرحُها بينَ يديك, ودلائلُ أسُوقُها إليك تؤكدُ ركاكةَ الإنصافِ في حياتِنا، وتأرجحَ ميزانِ العدلِ في تعاملِنا. فأرخِ السمعَ غيرَ مأمور؟ واستحضرْ القلبَ غيرَ مجبور.

فأمَّا الأنموذجُ الأول: فهو تتبعُ العثراتِ, وتضخيمُ الأخطاءِ, فيحضرُ أحدُهم مجلسَ علمٍ أو خطبةَ جُمعة, فيشغلهُ هواهُ السقيم, ونفسهُ الأمَّارة باصطيادِ أخطاء المتحدث وسقطاتِ المتكلم, ولولا الحياءُ لأخرجَ مفكرةً من جيبه وبدأ يرصدُها واحدةً واحدة, ليشيعَها في المجالس ويطيرُ بها الحاقدون، إنَّه يسمعُ مائةَ محاضرة ينسى ما فيها من درر, وما تضمنته من كنوز, ويتذكرُ فقط أنَّ المحاضرَ عزا الحديث إلى الصحيحين، وهو في أحدهِما أو أنَّه رفعَ المفعول وكان حقهُ النصبُ, فالمتحدثُ في نظرِ هذا المسكين لا يعرفُ الحديث ولا يتقنُ الإعراب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت