فهرس الكتاب

الصفحة 5830 من 9994

#غاية الاسلام من تحرير النفس البشرية

* السيد سابق

إن أسمى صورة للنفس الانسانية، صورتها وهي متحررة من كل لون من ألوان الخضوع والعبودية، ما عدا الخضوع والعبودية لله. وقد حرص الاسلام على أن يصل بالنفس إلى هذا التحرر الكامل وإلى هذه الصورة المثالية الفريدة:

فحررها أولاً، من ذل الخضوع وعبودية السيطرة.

وحررها ثانياً، من الخوف والقلق والاضطراب.

وحررها ثالثاً، من عبودية القيم الزائفة.

وحررها رابعاً، من الهوى والشهوة والمتاع الزائل.

أما تحريرها من الخضوع وعبودية السيطرة، فذلك بالقضاء على الوثنية في كل لون من ألوانها وفي كل مظهر من مظاهرها. فالله وحده هو الذي يملك الحياة والضرر والنفع والعطاء والمنع، وعلى البشر أن يتصلوا به مباشرة؛ فليس ثمة حجاب يحجب عنه أو مانع يحول دون الوصول إليه. وكل ما في السماوات وما في الأرض مسخّر له، والناس جميعاً سواء في العبودية، لا يتميز واحد منهم عن غيره إلا بالعافية والعمل الصالح.

وكما أوضح الاسلام هذه الحقيقة وعمّق جذورها في النفس أراد أن يبرزها في واقع الحياة لتكون مشهداً منظوراً يراه الناس. فرسول الله (ص) وهو المعلم والقدوة بدأ بنفسه ليقضي على المخلفات التي شغلت حيزاً كبيراً في نفوس الناس وقلوبهم، فيقول:"احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده أمامك. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف".

ودخل عليه رجل فارتاع من هيبته، فقال له الرسول (ص) :"هوِّن عليك، فلست بملك ولا جبار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة".

ونهى الذين أرادوا أن يسجدوا له عن السجود وقال لهم:"ما كان لبشر أن يسجد لبشر، ولو صح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها".

وحذّر من كل شيء من شأنه أن يعطي للعظماء أكثر مما يستحقون، ولو بعد الوفاة، فقال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. اللهم لا تجعل قبري بعدي عيدا".

وأعظم الناس منزلة من البشر هم الأنبياء والرسل، وأكرم الخلق في الملأ الأعلى هم الملائكة ومع ذلك فلا ينبغي ولا يحل أن يتجه إليهم بأي معنى من المعاني التي تُشعِر معنى العبودية والخضوع.

وأما تحريرها من الخوف والقلق والاضطراب فقد حاول الاسلام أن يقضي على هذه المخاوف بعلاج أسبابها، فقد يكون الخوف على الحياة أو الرزق أو المنزلة أو الوظيفة. فإذا كان الخوف على الحياة فإن ذلك يتنافى مع عقيدة الإيمان، فإن الله هو واهب الحياة وهو الذي يسلبها، وقد جعل لكل انسان أجلاً لا يستأخر عنه ولا يستقدم:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً".

وكل ظن يثار حول هذه القضية فهو من ظنون الجاهلية التي تبرّأ منها الاسلام.

ومهما حاول المرء أن يفلت من قدر الله فهو ليس بقادر على ذلك ولا يستطيع إليه سبيلاً:"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"..

إذاً فلا معنى للخوف على الحياة ما دامت الأعمار في يد الله وحده.

وإذا كان الخوف على الرزق ولقمة العيش، فإن ذلك لا يجمل بمؤمن يعتقد أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فالرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره:"وما من دابة إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين".

"وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم".

وإن الأرض لم تمنع خيرها يوماً وإنما جهل الناس سنة الله من جانب، وظلموا غيرهم من جانب آخر، فضاقت الأرزاق بين الجهل والظلم.

وإذا كان الخوف والاضطراب والقلق على المكانة الرفيعة والمنزلة التي بلغها الانسان وهو يخشى أن تنتزع منه، فإن مصير الأمور إلى الله:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم".

وأما تخليصها من عبودية القيم الزائفة فذلك أن الناس درجوا على تقديس الأنساب والأحساب، وعلى كبار الجاه والشهرة، وعلى إجلال المال والثروة وإعطاء هذه القيم أكثر مما ينبغي لها من التوقير والإعزاز. فعمل الاسلام على وضع هذه القيم في وضعها الصحيح؛ فهي ليست قيماً ذاتية، والاتصاف بها لا يرفع من قدر الخسيس، وفقدها لا يحط من شأن الرفيع.

فقيمة الانسان في عمله النافع، وعمله الصالح، وأدبه العالي، وخلقه المتين، وصلته بالله، ونفعه للناس. فهذه هي فضائل النسان الذاتية التي تصل به إلى الذروة من الكمال النفسي والسمو الروحي.

أما الحسب والنسب، والجاه والمال، فهي أعراض زائلة لا تكسب النفس زكاة، ولا تهب القلب طهراً، ولا تفيض على الروح سمواً ولا تزيد العقل نوراً. يقول الرسول (ص) :"مَن بطؤ به عمله لم يسرع به نسبه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت