فذاك إبراهيم بن أدهم كان أبوه من ملوك خراسان .. وكان في سهو وغفلة .. فصاح به صائح يوماً فقال له: يا إبراهيم .. ما للهو خلقت .. ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون[ .. فخف من ربك وأعدّ الزاد لقبرك .. فتاب إبراهيم من ساعته وأصبح من العباد ..
وذاك الفضيل بن عياض .. كان سارقاً قاطع طريق .. فقفز في بيت في ظلمة الليل .. فسمع قارئاً يقرأ قوله تعالى: ]ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ .. فبكى الفضيل وقال: ربِّ قد آن .. ربِّ قد آن .. ثم قصد المسجد من ساعته وتاب واستعدَّ للقاء ربه ..
وذاك زاذان الكندي الإمام المحدث كان صاحب لهو وطرب ..
ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى .
فقام و ضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود ..
فاعتنقه عبد الله بن مسعود .. وبكى وقال: كيف لا أحب من قد أحبه الله .. ثم لازم زاذان ابن مسعود حتى تعلم القرآن .. وصار إماماً في العلم ..
وذاك القعنبي الإمام المحدث .. كان في شبابه يشرب النبيذ ويصحب الأحداث ..
فدعى أصحابه يوماً .. وقعد على الباب ينتظرهم ..
فمر شعبة بن الحجاج الإمام المحدث على والناس خلفه يهرعون ..
فقال القعنبي: من هذا ؟
قيل: شعبة ..
قال: وأيش شعبة ؟
قالوا: محدث ..
فقام إليه وعليه إزار أحمر .. فقال له: حدثني .. يعني ما دمت محدثاً فحدّثني ..
فقال له: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك ..
فأشهر سكينة وقال: تحدثني أو أطعنك ؟
فالتفت إليه شعبة وقال: حدثنا منصور .. عن ربعي .. عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت ..
فلما سمع القعنبي هذا الحديث .. وافق منه قلباً صافياً .. وتذكر ما يحارب به ربَّه منذ سنين ..
ورمى سكينه ورجع إلى منزله . فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه ..
ثم استأذن أمه بالسفر إلى المدينة لطلب العلم .. ومضى من وقته ولزم مالك بن أنس .. حتى حفظ عنه وأصبح من كبار العلماء المحدثين ..
وسبب هدايته موعظة عابرة .. لكنها صادفت قلباً حياً ..
فأدم ذكر ربك على جميع أحوالك .. واحرص على مجالسة الصالحين .. وحضور دروس العلم والدين .. فإن للذكر من شرح الصدر .. ولذة العمر .. ما لا يوصف ..
فابكِ بين يدي ربك .. واعترف بتقصيرك وذنبك .. واعترف بنعمته عليك .. وقل:
يا منزل الآيات والفرقان بيني وبينك حرمة القرآن
اشرح به صدري لمعرفة الهدى واعصم به قلبي من الشيطان
يسر به أمري واقض مآربي وأجرْ به جسدي من النيران
واحطط به وزري وأخلص نيتي واشدد به أزري وأصلح شاني
واكشف به ضري وحقق توبتي أربِح به بيعي بلا خسران
طهر به قلبي وصفِّ سريرتي أجمل به ذكري وأعلِ مكاني
واقطع به طمعي وشرِّف همتي كثِّر به ورعي وأحيي جناني
أسهر به ليلي وأظم جوارحي أسبِل بفيض دموعها أجفاني
أمزجه يا ربي بلحمي مع دمي واغسل به قلبي من الأضغان
أنت الذي صوَّرتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب يد ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة والعطفَ منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محامداً وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت ذِكري في البريّة شائعاً حتى جعلت جميعهم إخواني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملّوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلُمتَ عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت عليَّ ربِّ بأنعُمٍ ما لي بشكر أقلِّهن يدان
فوَحق حكمتك التي آتيتني حتى شددت بنورها أركاني
لإن اجتبتني من رضاك معونة حتى يقوي أيدُها إيماني
لأُسبحنك بكرة وعشية ولَتخدمنك في الدجى أركاني
ولأذكرنك قائماً أو قاعداً ولأشكرنك سائر الأحيان
ولأكتمنَّ عن البرية خِلّتي ولأشكونّ إليك جهد زماني
ولأجعلنّ المقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
ولأجعلن رضاك أكبر هِمتي ولأقبضنّ عن الفجور عناني
ولأمنعن النفس عن شهواتها ولأجعلن الزهد من أعواني
ولأحسمن عن الأنام مطامعي بحسام يأس لم تشبه بنان
ولأقصدنك في جميع حوائجي من دون قصد فلانة وفلان
ولأتلونَّ حروف وحيك في الدجى ولأُحرِقنّ بنوره شيطاني
اللهم إنا نسألك عيش السعداء .. وموت الشهداء .. والحشر مع الأتقياء .. ومرافقة الأنبياء .. اللهم إنا نسألك من الخير كله ..
كتبه / د. محمد بن عبد الرحمن العريفي