فهرس الكتاب

الصفحة 9097 من 9994

أما بعد: فيا عباد الله، إن الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه، والتعارف بين الناس وما يترتب عليه من مصالح عظيمة في تعاونهم وتزواجهم وتآلفهم أمر قائم مشهود، والصديق والصاحب لا يكاد ينفك عنه تاريخ الإنسان، وهو مصدر من مصادر تربيته ومعرفته وأنسه وسروره ومواساته ومعاونته، وهو ذو أثر كبير في حياة المرء النفسية والاجتماعية والثقافية، ومن الأمثلة التاريخية المتميزة المبينة لأثر الصحبة ووظائفها صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله والارتباط النفسي والمصيري الذي اقتضته هذه الصحبة الفريدة، نظرًا لارتباطها بأهداف عالية رفيعة، وكيف كان أثرها على أبي بكر رضي الله عنه.

والرفقة مطلب نفسي لا يستغني عنه الإنسان وخصوصًا في مرحلة الشباب والمراهقة، ويصعب منع الشاب عن الرفقة أو فرض العزلة عليه، وهو أمر يصطدم مع طبع الإنسان وجبلته، ويحرمه من حاجة نفسية مهمة، ولذا كان السجن الانفرادي عقابا قاسيا لأنه يعزل الإنسان عن حاجة من حاجاته المهمة ويحرمه من الاجتماع بالناس، والاختلاط بهم وبثّ همومه وأحزانه وأشجانه إليهم.

والشاب المراهق يستوحش كثيرًا من العزلة، ويحسّ بحاجة داخلية ملحة للالتقاء بأصحابه وأبناء مرحلته، ويشعر أنهم يمدونه بزاد نفسي لا يقدمه له الكبار أو الأطفال، وفي الوقت ذاته لا يجد راحة في علاقته بوالديه أو أساتذته ونحوهم، ويشعر أنهم لا يفهمون شخصيته، خاصة إذا بدا منهم احتقار له أو سخرية منه. وهذا يؤكد على أمر مهم جدًا وهو أنك إذا علمت حاجته للصحبة وعلمت أن صحبة الوالدين لا تغني عن صحبة أترابه وأسنانه وعلمت أنه سيصاحب شئتَ أم أبيت فعليك أن تعرِف أهمية الصحبة الصالحة.

وأنت ـ أيها الشاب ـ لا بد أن تنتبه لشأن حالتك النفسية، فلا يكون توجيهك عفويًا لها، بل لا بد أن تلبي حاجتك في صحبة صالحة، ذلك أن لصحبتك أثرًا تراكميًا متدرجًا على شخصيتك، وقلّ أن نجد شابًا كان له خلة ومحبة ومرافقة لصحبة إلا ويكون على نهجها وطريقها متّحدًا معها في أفكاره ومسالكه وأخلاقه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وهذا يؤكّد دور الآباء في انتقاء الصحبة الصالحة لأبنائهم، وعدم تجاهل هذه الحاجة النفسية الملحة حتى يفاجأ بأن ابنه يسير مع صحبة سيئة.

نسأل الله أن يعصمنا جميعًا وذرياتنا من مضلات الفتن ما ظهر منها ومات بطن.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...

أعمدتها كأسنّة الرماح، لها قوة نافذة، وموجودة في أنفس العماليق، بل هي قوة روحية تبيد أسلحة الأعادي، وصخرة شمّاء تتكسر عليها مؤامراتُهم.

حديثنا عن السياج المنيع..

نريد أن ننقب عنها في مجتمعنا، نريد أن نؤسس لها إذا كانت غائباً، ونأطرها إذا كانت عائمة، ونبث شذاها في النفوس.

إنها الغيرة على النساء!!!.

فهي الذخر الغالي، والذخيرة النفيسة، ومصدر العزة، وموئل الكبرياء، ومبعثٌ على الفخر والكرامة والشهامة.

بل هي القوة العظمى التي تُمسك بزمام المجتمع، وتحميه من تداعيات الأعداء، ومخططات النفاق والعلمنة.

وهي خلق عربي أصيل، ارتفع به الإسلام آفاقاً عالية سامية، وقمماً شامخة، أنتجت مجتمعات محافظة على كرامتها وشرفها، وحريصة على صيانة أعراضها.

وإذا ذهبت الغيرة: فسلام على العفاف، وسلام على الحجاب، وسلام على الطهر، وسلام على القوامة، وسلام على المجتمع.

إلا ما شاء ربي..

إن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها ... أُكِلت بلا عوض ولا أثمان (1)

إنّ من المهم أن لا نبعث الريبة بين أفراد الأسرة، أو نسيء الظن بالنساء، أو ندخل في نياتهن، أو نؤصل لعدم الثقة بهن.

ومن المهم أيضاً أن لا نفلت الزمام، ونجعل الحبل على الغارب، وأن لا نخل بمهامنا نحن الرجال. فنحن وإن كنا نثق بنسائنا، وهن ملتزمات بشروط العفة والحجاب، فإننا يجب أن لا نثق بالذئاب البشرية ودعاة الرذيلة.

أين الغيرة عندما نرى نساءنا يدخلن لوحدهن الأسواق، ويتجولن في أروقتها الساعاتَ الطوال، ويتبايعن مع الرجال، ويكاسرن معهم على الريال، وبعض الرجال في السيارة أو منهمك مع الأشغال؟!.

أين الغيرة ؟!.

أين الغيرة التي تلامس شغاف قلب الرجل حينما يرى زوجته أو ابنته بنقاب أمام الناس، أو بعباءة على الكتف أو مخصّرة أو مزركشة، أو بصورة تخل بالأدب والحياء؟!.

وإن كان علماؤنا الأجلاء لا يرون إلا تغطية الوجه، والحجاب الشرعي الكامل، ونحن قد تعبدنا الله بذلك، فما المصلحة أن نفلت العنان لنسائنا بحجة الخلاف؟!.

وما هذه الصور المخلة بحجاب النساء؟!.

أين الغيرة ؟!

لماذا تهشّمت غيرة بعض الرجال في أماكن الألعاب أو الأسواق أو المطارات أو الطائرات؟!. قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ) . إلى أن قال عزّ وجل: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) . (2)

أين الغيرة التي تحمي النساء والفتيات من جلوسهن أمام الفضائيات، والمغنين، والفنانين؟!.

آه ثم آه على غيرة رجل تلاشت بسبب قناة فضائية!.

فهو يأخذ حصته من الأخبار ثم يترك النصيب الأوفر للنساء ليشاهدن (ستار أكاديمي) ويطّلعن على المثيرات التي تقضي على الطهر والعفاف!.

وما يدري ذلك الذي مسح جلّ القنوات على حد قوله وجعل لها أرقاماً سرية، لا يدري بأن معه عقولاً تعيد ما مُسح أثناء ذهابه أو نومه!.

أين غيرة هؤلاء الذين رضوا بوجود مخرجات الفن والطرب والفحش بين جدران البيوت؟!.

أين غيرة هؤلاء الذين يتركون النساء يشاهدن ما يُبَثُّ أمام أعينهم من التصويت للفنانين، والمغنين، والشعراء؟!.

سلام على رجال طُمست غيرتهم! وتبلّدت أحاسيسهم!

•"نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة، فلما جنّه الليل سمع غناءاً، فقال لصاحب المنزل: كفّ هذا عني. فقال: وما تكره من ذلك؟!. فقال: إن الغناء رائد الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه - يعني ابنته - فإن كففته وإلا خرجت عنك". (3)

سبحان الله! هذا يقول: فإن كففته وإلا خرجت عنك، وبعض الناس منا يقول: لا أستطيع أن أستغني عن الأخبار.

أين غيرة الرجال عندما يتركون نساءهم يتجولن وحدهن في أماكن الألعاب، أو المنتزهات أو الشواطئ؟!.

أين غيرة هؤلاء عندما يتركون النساء بين العيادات في المستشفيات، من غير حسيب ولا رقيب؟!.

هل الدافع وراء ذلك الثقة بالذئاب مع صلاح الأهل؟!.

أم الثقة بالدكتور عندما تدخل عليه لوحدها من غير ضرورة؟!.

أم أن الأشغال محت الغيرة على النساء؟!

أين غيرة الرجال الذين يحبّذون الجلوس على البحر بجانب الناس والشباب، وكأن حدود البحر مقننة في ذهنه وذهن أهله بين الناس والشباب، وكأنّه لا يعلم أن ساحل البحر لا حد له!.

أين من يأخذ الاحتياطات لأهله عندما يريدون النزهة في البر أو البحر؟!.

أم أن العجز طغى على الغيرة؟!.

أين غيرة الرجال الذين يجعلون زمام أمور نسائهن بيد السائق بلا محرم؟!. فيذهب بهن إلى الأسواق والمنتجعات، ويدخل داخل البيت بالأغراض وحاجيات المنزل من غير محرم!. قال صلى الله عليه وسلم:"لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حاجّة، واكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: ارجع فحج مع امرأتك". (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت