فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولتعلموا ـ رحمكم الله ـ أن التوكل على الله وحده ليس بمانع من اتخاذ الأسباب، فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما أمره به من اتخاذها، ولكنه لا يرى الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتكل عليها، إن الذي ينشئ النتائج هو الذي ينشئ الأسباب، إنه قدَر الله وحده لا شريك له ولا ربّ سواه ولا معين إلا هو، فهو القادر على كل شيء، وهو الذي لا يعجزه شيء، قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .
فعلى الإنسان المؤمن الصادق في إيمانه صاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من كل سند من الأرض، بل ويستهين به مهما بدا قويًا، فهو لا يساوي شيئًا ما دام المسلم يرتكن إلى مولاه الذي خلقه وأوجده من عدم وأبرزه إلى حيز الوجود المشاهد، قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41] ، إنه الوصف الحقيقي يا عباد الله.
حتى ولو قدرت هذه الأسباب على أذاه، فإنما ذلك بإذن الله الذي يتولاه، لا عجزًا من ربه عن حمايته من أذاها، ولا تخليًا منه سبحانه عن نصرته، ولكنه ابتلاء وتمحيص لعباده الصالحين، كما أنه استدراج لعباده الطالحين وإمهال لهم.
ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يردد والمشركون يتناولونه بالأذى ويضربون وجهه بالنعال حتى تركوه وما يعرف له فم من عين، وهو يردد: (رب ما أحلمك، رب ما أحلمك) ، فقد كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من رحمة وحلم ربه، لقد كان واثقًا أن ربه لا يعجز عن تدمير أعدائه وإهلاكهم ونصره عليهم، واثقًا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه، ولكنه الحلم والإمهال والاستدراج. فسبحان الله العليم الخبير البصير.
فأوصيكم ـ عباد الله ـ بتقوى الله وصدق التوكل والاعتماد على الله واللجوء إليه في جلب النفع ودفع الضر، فإنه جل وعلا نعم المولى ونعم النصير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله جل وعلا خلق العبد وكتب أثره ومصائبه ورزقه وأجله وشقاوته وسعادته وكل ما يعترضه في حياته من خير أو شر، كتب ذلك كله والعبد في بطن أمه، وهذا جار عليه لا محالة، لا يغيره أو يبدله تعليق تميمة أو حرز، ولا يبطله كهانة مشعوذ، ولا يؤثر فيه تشاؤم متشائم، ففي الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًافيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ) (1) [1] .
وهكذا يا عباد الله، فقدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر والأمور كلها، يدفعها في الطريق المرسوم مضيّها فيه لا محالة والمحدّد لها، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة عليها، فيجب على المسلم أن يستسلم لله عز وجل استسلامًا مطلقًا مع إحسان العمل والسلوك والطمأنينة لقدر الله والانقياد لأوامره جل وعلا وتنفيذ تكاليفه بثقة في الله لا تتزعزع، وبعزيمة في الله لا تلين ولا تتردد.
جعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1) رواه البخاري في القدر، باب: في القدر (7/210) ، ومسلم في القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (2643) .
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
أيها المؤمنون اتقوا الله ربكم فإن الله جل ذكره خلقكم ببالغ قدرته ونافذ حكمته لأمر عظيم جليل ألا وهو توحيده جلّ وعلا، وإفراده بالعبادة دون غيره، قال تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (1) وقد أنزل الله لذلك الكتب وأرسل الرسل، قال تبارك و تعالى: ?يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ? (2) فالله عز وجلّ خلقكم أيها الناس، لعبادته وحده لا شريك له، لا ليتقوى بكم من ضعف، فهو القوي العزيز. ولا ليتكثر بكم من قلة فهو الغني الحميد: ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد? (3) و قال تعالى في الحديث الإلهي: (( يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ) ) (4) ?مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ? (5) .
أيها المؤمنون إن أساس العبادة التي خلقكم الله من أجلها هو شهادة أن لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله كلمة قامت بها السماوات والأرض، ولا إله إلا الله فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا إله إلا الله دعوة الرسل جميعاً، ولا إله إلا الله كلمة التقوى وشعار الإسلام، ولا إله إلا الله مفتاح الجنة دار السلام.
عباد الله أيها المؤمنون إن لكلمة التقوى والإخلاص فضائل عديدة، ومناقب كثيرة، فحقيق بمن نصح نفسه وأحب سعادته ونجاته أن يتعرف على هذه الفضائل وتلك المناقب عسى أن يكون من أهل لا إله إلا الله.
فمن فضائل هذه الكلمة المباركة كلمة لا إله إلا الله أنها أول ما يطالب به العبد ليدخل في دين الإسلام الذي قال الله عنه: ?وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ? (6) ففي قصة بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له صلى الله عليه وسلم: (( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) ) (7) .
عباد الله إن من فضائل كلمة التقوى و الإخلاص أن بها تحصلُ عصمةُ دم العبد ومالِه ففي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: (( من قال: لا إله إلا الله و كفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ) ) (8) .
أيها المسلمون إن من فضائل هذه الكلمة الطيبة لا إله إلا الله أنه من لقي الله بها أدخله الجنة جنة عرضها السماوات والأرض دار السلام قال صلى الله عليه وسلم: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة ) ) (9) .