فهرس الكتاب

الصفحة 5288 من 9994

#سورة القيامة 2

د. عبد العظيم بدوي

الحلقة الثانية

يقول تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى «القيامة» .

تفسير الآيات

هذا تعليمٌ من اللَّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقّي الوحي، وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريلُ يخافُ أن ينسى شيئًا مما قرأه عليه، فكان يحرك شفتيه بالقراءة قبل أن يَفْرُغَ جبريل عليه السلام، فنهاه اللَّه عن ذلك، فقال: لا تحرك به لسانك لتعجل به كما قال تعالى: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [طه: 114] ، ثم وعده اللَّه تعالى ثلاثة وعود فقال: إن علينا جمعه أي في صدرك، فلا تنسى منه شيئًا، وقرآنه أي: وعلينا أن نجعلك تقرؤه كما سمعته من جبريل من غير تحريف ولا تبديل، وذلك فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي: ما دمنا قد وعدْناك بحفظه وتلاوته كما سمعته فإذا قرأ عليك جبريلُ فلا تعجل به، بل استمع إليه حتى يفرغ، ثم إن علينا بيانه أي بعد حفظه وتلاوته فإن وعدًا لك علينا أن نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا، حتى تبينه للناس.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل عليه بالوحي، وكان يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه، فأنزل اللَّه الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة: لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فإذا أنزلناه فاستمع، ثم إن علينا بيانه علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه. [متفق عليه]

وقوله تعالى: كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة كقوله في أول السورة: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة، تعليلٌ لتكذيبهم بيوم القيامة، وبيان أن العلة هي حبهم الدنيا العاجلة، وإيثارها على الآخرة الباقية، كما قال تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 16، 17] ، فيا عبد اللَّه، لا تجعل الدنيا أكبر همك، واجعل الهموم همًا واحدًا همّ الآخرة، فـ إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب [غافر: 39، 40] .

وقوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة أي حسنة بهية، مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة [عبس: 38، 39] ، ونَضرةُ الوجه من نعيم القلب وسروره، فالوجه مرآة القلب، فإذا رأيت وجه صاحبك ضاحكًا، قلت له: أراك اليوم مسرورًا.

وقوله تعالى: إلى ربها ناظرة أي تنظر إليه، وتراه، والإيمانُ بالرؤية من عقيدة أهل السنة، فمن أنكرها فهو حريّ أن يحرمها، «فإنّ إضافة النظر إلى الوجه، الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلّ على خلافه، حقيقة موضوعةٌ صريحةٌ في أنّ اللَّه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الربّ جل جلاله» . [شرح الطحاوي: ابن أبي العز ص205] . والأحاديثُ في الرؤية متواترةٌ، رواها أصحابُ الصحاح والمسانيد والسنن.

منها: حديث جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنهما قال: كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإذا استطعتم أن لا تُغْلَبُوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.

ومنها: حديث صُهيبٍ الروميّ رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى، ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. [رواه البخاري] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت