فإذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كان له مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة: منها أنه اجتماع اليومين الذين هما أفضل الأيام، ومنها أن الجمعة هو اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع، ومنها أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة بعرفة فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه، ومنها أن الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة عيد لأهل عرفة فيجتمع العيدان. [انظر الزاد:1/60 وما بعدها] . ومنها اجتماع الشاهد والمشهود فعن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا أنه قال في قوله تعالى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:3] : الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة. [زاد:1/412] . فإذا وقع يوم عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع الشاهد والمشهود . [لطائف:555] . ومنها أن ذلك يوافق حجة النبي صلى الله عليه وسلم. [زاد:2/102]
الخطبة الثانية
أما بعد:
عباد الله:
من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بالحق الذي عرفه.
ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله الذي قربه وأزلفه.
ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى، فليذبح هواه هنا.
ومن لم يصل إلى البيت العتيد، فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.
وقد جعل الله لنا عوضاً هو العمل الصالح في هذا اليوم، ولا سيما صيامه، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم [1162] عن أبي قتادة أنه قال: (( صيامه [أي يوم عرفة] يكفر السنة الماضية والباقية ) )، ولا يكره إفراد يوم عرفة بالصوم حتى لو وافق يوم جمعة [زاد:2/86] .
أما أيام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة فيحرم إلا لمن لم يجد دم متعة أو قران، روى البخاري [1998] عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.
وهذا الحكم عام لأهل منى وغيرها عند جمهور العلماء. [لطائف:577] .
ومن السنة في هذه الأيام التكبير مطلقاً ومقيداً، والمقيد هو الذي يكون أدبار الفرائض، وهي الصلوات الخمس والجمعة، ويبدأ التكبير المقيد لغير الحاج من فجر يوم عرفة، وللحاج من ظهر يوم النحر، ويمتد في حقهما التكبير مطلقاً ومقيداً إلى آخر أيام التشريق. [الممتع:5/217ـ222] .
الخطبة الأولى
الحمد لله أمر بالتعاون على البر والتقوى ، وهو الرحمن المستعان ، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يأمر بالعدل والإحسان ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أرسله الله رحمة للعالمين من الإنس والجان ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى من اتبعهم بإحسان .
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: ( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [1] [1] .
معشر المسلمين:
لقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى ، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان:
فقال سبحانه: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [2] [2] .
فما هو البر وما التقوى ؟ أيها المسلمون ، وما هو الإثم وما العدوان ؟ وما هي مجالاتُ كلٍ ؟ وكيف يكون التعاونُ على ذلك ؟
أيها المسلم:
البر هو ما أمرت به من الطاعة ، وفعلِ الخير والإحسان وعمل الصالحات ، والتقوى هي ما نهيت عنه من المعصية، وفعل الشر ، وعمل السيئات ، والمرء البار؛ هو المتقي حسنُ الأخلاق ، قال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) [3] [3] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ] رواه مسلم رحمه الله [4] [4] ، وقال الماوردي رحمه الله في كتابه ( أدب الدنيا والدين ) : (( ندب الله إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ، فقال:(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ) لأن في التقوى رضا الله تعالى ، وفي البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس ، فقد تمتْ سعادتُه ، وعمت نعمتُه )) [5] [5] .
والتقوى أيها المسلمون: هي أن يجعل المسلم بينه وبين عذاب الله وقاية ؛ بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، (( قال عمرُ رضي الله عنه لكعب الأحبار: يا كعب ، حدثني عن التقوى ، فقال: يا أمير المؤمنين ، هل أخذتَ طريقًا ذا شوك ؟ قال: نعم ، قال: فما صنعت ؟ قال: حَذِرتُ وشمَّرت ، قال: فكذلك التقوى ) ) [6] [6] ، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز رحمه الله فنظمه وقال:
خل الذنوبَ صغيرَها وكبيرَها ذاك التُقى
واصنع كماشٍ فوق أر ضِ الشوك يحذرُ ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبالَ من الحصى [7] [7]
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: (( لا يصيب رجل حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال ، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه ) ) [8] [8] .