فهرس الكتاب

الصفحة 7894 من 9994

روى في المسند الإمام أحمد [15618] . عن العباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء … فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة فعاد يدعو لأمته فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم أن تبسم فقال بعض أصحابه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها فما أضحكك أضحك الله سنك؟ قال: (( تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل ويحثو التراب على رأسه فتبسمت مما يصنع جزعه ) ).

إن عدو الله إبليس ما رؤي في يوم أحقر ولا أصغر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر. [مالك في الموطأ من مراسيل طلحة بن عبيد الله] .

إن يوم عرفة يوم تنزل رحمة الله وما أدراك ما رحمة الله … عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ) ) [البخاري] .

فإذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدنيا الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به، فكيف الظن بمئة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء؟

وعن عمر بن الخطاب أنه قال: قُدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ ) )قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ) [مسلم] .

إن رحمة الله عز وجل سابغة عامة لا تضيق بذنب، وحسبك أن الله عز وجل دعا المسرفين من عباده ليتعرضوا لرحمته بالغة ما بلغت ذنوبهم قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .

وما من كيوم عرفة ترجى فيه مغفرة الذنوب ورحمة علام الغيوب فهو يوم من أيام العتق من النار، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء ) ) [مسلم:1348] .

وفي رواية أنه سبحانه يقول: (( أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يارب فلان مرهق( أي مثقل بالذنوب ) فيقول: قد غفرت لهم )) [ابن خزيمة:4/2840] .

قال المناوي رحمه الله: وهذه المباهاة تقتضي الغفران وعموم التكفير لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهر من كل ذنب، إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر. [الرياض:178] .

وأخرج ابن ماجه عن بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: (( يا بلال أنصت الناس ) )ثم قال: (( إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله ) ) [ابن ماجه بسند صحيح] .

وكان في دعائه صلى الله عليه وسلم إذا دعا يوم عرفة دعا رافعاً يديه إلى صدره كاستطعام المسكين. [زاد:2/236] .

وكان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف بعرفة ومعه مئة بدنة مقلدة ومئة رقبة فيعتق رقيقه، فيضج الناس بالبكاء والدعاء ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده ونحن عبيدك فأعتقنا.

ورأى الفضيل تسبيح الناس وبكاءهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً أكان يردهم؟ فقالوا: لا، فقال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق!

وقال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم!

ووقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء! فقيل: لم لا تدعو؟ قال: ثَمَ وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه ووقع ميتاً!.

فلله تلك المواقف المشرفة، والبقاع المطهرة، والأزمنة المباركة!!

كم فيها اليوم من ضارع منكسر؟ كم فيها من حزين أسيف؟ كم فيها من نائح على ذنوبه باك على عيوبه؟ كم فيها من رجل بادر الله بالتوبة فبادره بالغفران؟ وخط بدموعه كتاب رجوعه فحط عنه وزر العصيان؟ ليت شعري .. كم ينصرف من هذا الموقف من رجال ما عليهم من الأوزار مثقال ذرة! قد ملأت قلوبهم الأفراح وعلت وجوههم المسرة؟

رفعوا الأكف وأرسلوا الدعوات وتجردوا لله في عرفات

شعثا تجللهم سحائب رحمة غبراً يفيض النور في القسمات

وكأن أجنحة الملائك عانقت أرواحهم بالبر والطاعات

هذي ضيوفك يا إلهي تبتغي عفواً وترجو سابغ البركات

تركوا وراء ظهورهم دنيا الورى أتوك في شوق وفي إخبات

فيامن رأى هذه الجموع وقد استدبرت دنياها واستقبلت أخراها، واستوحشت من الأرض وحريقها، وطمعت في الجنان ورحيقها، جعلت بكاءها طريقاً إلى نجائها، وعبرتها سبيلاً إلى عبرتها .. مئات الآلاف تجأر إلى الله بمختلف اللغات، والله سبحانه السميع البصير لا تختلف عليه الألسنة ولا يشغله سؤال عن سؤال.

أواقع ما أرى؟ أم خانني البصر أم هذه من رؤى أحلامنا صور

هذي الجموع يهز الشوق همتها إلى الجنان وخلد ثم ينتظر

فهل سمعت بكاهم يوم وقفتهم وهل رأيت دموع الشوق تبتدر

وهل سمعت أنين المذنبين على ماض تضج به الآثام تستعر

إن يوم عرفة كالمقدمة لعيد النحر، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع والتوبة والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة، ولذا سمي طوافه طواف الزيارة لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة ثم أذن لهم ربهم يوم النحر في زيارته والدخول إلى بيته، فيوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم. [زاد:1/55] .

وكفى يوم عرفة شرفاً أن الله أقسم به في كتابه، فقال عز من قائل: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:1-3] .

ويوم عرفة هو يوم أخذ الميثاق على ذرية آدم بتوحيد الله، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قال: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف:172] ) ) [أحمد عن ابن عباس بسند صحيح وهو في صحيح الجامع:1697] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت