إن كنتَ ساهمتَ في الشركةِ بقصدِ الاستفادةِ من ريعِ الأسهمِ السنوية، وليس بقصدِ التجارةِ، فإنَّ صاحبَ هذه الأسهمِ لا زكاةَ عليه في أصلِ السهم، وإنما تجبُ الزكاةُ في الربح، وهي ربعُ العشرِ بعدَ دورانِ الحولِ من يومِ قبضِ الربحِ إن كان نصاباً .
وإن كانتَ قد اقتنيتَ الأسهمَ بقصدِ التجارة، فزكاتُها زكاةُ عروضِ التجارة، فإذا جاءَ حولُ زكاتك وهي في ملككَ، زكيتَها بقيمتِها الحاليةِ في السوقِ لا بما اشتريتَها به، وإذا لم يكنْ لها سوقٌ، زكيت قيمتَها بتقويمِ أهلِ الخبرة ، فيخرجُ ربعَ العشرِ من تلكَ القيمةِ ومن الربحِ ، إذا كان للأسهمِ ربح .
وإذا باعَ المساهمُ أَسهُمَه في أثناءِ الحولِ ضمَ ثمنَها إلى مالِه وزكَّاه معه، عندما يجيءُ حولُ زكاته. أما المشتري فيُزكي الأسهمَ التي اشتراها على النحوِ السابق، وإذا أخرجتِ الشركةُ الزكاةَ فيكتفي بذلك ولا يخرجَها المساهمُ، وكذلك العكسُ لئلا تجبَ زكاتانِ في مالٍ واحد.
الوصية السابعة:
كثيراً ما يتساءلُ الناسُ فيقولُ قائلهم: فلانٌ من العلماءِ قال بجوازِ شراءِ أسهمِ الشركةِ الفلانية، وفلانٌ قال بحرمتِها، فكيفَ نوفقُ بينهما ؟
وأقول: يجب أن نعلمَ أن سببَ الخلافِ بين أهلِ العلمِ في هذه القضيةِ هو؛ هل يجوزُ المساهمةُ في شركةٍ أصلُها حلالٌ وفيها نسبةٌ قليلةٌ من الربا أم لا ؟
فبعضهم يرى جواز ذلك، وقد ذكرت لك في ثنايا الخطبةِ أن جماهيرَ العلماءِ يرون حرمةَ المساهمةِ في ذلك؛ لأن الله حرم الربا قليلهِ وكثيرِه، ونهانا عن التعاونِ على الإثمِ والعدوان .
والأصلُ في المسلمِ أنْ يتجنبَ الشبهاتِ حرصاً على دينه، وحفظاً لآخرته، ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم في حديثِ النعمانِ بنِ بشير المتفقِ عليه عن ذلك بقوله: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) ).
والمشتبه هو ما اختُلِف في حله أو تحريمه، وفسرها الإمامُ الزاهدُ الورعُ أحمدُ بنُ حنبل رحمه الله بأنها منزلةٌ بين الحلالِ والحرام ، وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارةً باختلاطِ الحلالِ والحرام ، وقال سفيانُ بنُ عيينة- رحمه الله-: لا يُصيبُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينَه وبين الحرامِ حاجزاً من الحلال،ِ وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابه منه.
نسأل الله أن يكفينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه .
[1] ـ وهما المجمعُ الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) [النساء:1] . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) [الأحزاب:70-71] .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .
أما بعد, أيها المسلمون:
فإننا كثيراً ما نسمع من إخوان لنا, إذا نُصحوا أو نُهوا عن معصيةٍ ارتكبوها , أو ذنبٍ ألَّموا به, نسمعُ منهم قولةَ حقٍ أُريد بها باطل, فيقولون: اللهُ غفورٌ رحيم, اللهُ واسعُ المغفرة, اللهُ لطيفٌ بعبادِه, ربُّك جَواد كريم, ثم يأخذون في سردِ الآياتِ والأحاديث التي حفظوها عن ظهرِ قلب, في رحمةِ اللهِ الواسعة , ورحمته الشاملة, بل و يتمادى بعضُهم في الجهل بقدرة خالقِه ومولاه, فيقول: ماذا تريدُ منَّا يا أخي, إننا نُصلي و نَصوم, و نُزكي ونَحج, ونتجنبُ الخمر والزنا, وغيرُنا يفعل كذا وكذا, هناك أناسٌ لا يصلون, و يشربون الخمر, ويفعلون كذا و كذا , نحن و للهِ الحمد أحسن منهم كثيراً, نحن كذا و نحن كذا
ويبدأ ون في المنةِ على ربهمِ, و تعدادِ محاسِنهم على غيرِهم, في عُجبٍ وتعالٍ, وافتخار .
(( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ) (الحجرات:17) .
من أدرى هؤلاء المساكين أنهم أحسنوا أعمالَهم, و قاموا بها بتجردٍ وإخلاص, ثم من أدراهم أنَّ الله تعالى قد تقبلها منهم, ففي الحديث أنَّ عائشة رضي الله عنها (( سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) ) (المؤمنون:60) .
أهم الذين يزنون ويسرقون, ويشربون الخمر, ويخافون الله ؟ قال: (( لا يا ا بنت الصديق! إنهم الذين يصلون ويصومون, ويتصدقون, ويخافون ألا يُتقبل منهم ) ) [1] .
وقد ذكرَ اللهُ تعالى هذه الآية الكريمة, في معرضِ آياتٍ أُخر, تصفُ المؤمنين الصادقينَ فقال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) ) (المؤمنون:57- 61) .
فتأملْ رحمك الله حالَ هؤلاءِ المؤمنين المسارعين في الخيرات, تراهم يُقدمون أفضَل الأعمالِ و أجلَّها, ويتجنبون أسوأَهَا وأَبشَعها, و يتنافسون في الطاعاتِ والقُربات, بقلوبٍ وجلةٍ خائفة, مشفقةٍ من عذاب الله ومقته, لأنَّهم يعرفون عظمةَ الإله الذي يعبدونه, والربَّ الذي يوحدونه, ويوقنون كذلك بأنَّ أي عبادةٍ مهما عَظُمتْ وحَسُنَتْ, وخَلْصَتْ لا يمكن أبداً أن تفي بحق الله تعالى على عباده .
وإنما على الإنسان أن يبذلَ جهدَه وطاقته في صواب العملِ, والإخلاص فيه, و يكون بذلك من المؤمنين الصادقين, الذين يعرفون قدرَ ربهم ومولاهم ويلتمسون أسباب مغفرتهِ.
أما أولئك المعجبون بأعمالِهم و طاعتِهم, فإنْ لم تدر كُهم عناية الله و رحمتُه, فما أقربَ تلك الأعمالِ والطاعات إلى الهباءِ المنثور, فإنَّ العُجب ممقوت, و تزكية النفس ممنوعة, (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) ) (التوبة:25) .
ويقول تعالى: (( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ) (النجم:32 ) .