فهرس الكتاب

الصفحة 8172 من 9994

ويقول سبحانه: (( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ) ) (النور:21) .

ويقول: (( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) ) (البقرة:198) .

و أما الذين يجعلون رحمةَ الله و شفقته على عبادهِ, دافعاً لهم إلى المعصية, و الأمن من مكر الله تعالى بهم, فبئس ما اعتقدوا, و بئس ما صنعوا !!

أليس هذا هو اللؤم بعينه؟ أليس هذا هو الحجود و الجهل؟ أ فيكونُ جزاءُ النعمةِ والرحمةِ, هي المعصية والتمرد, و الإعراض ؟أ فيكون جزاء الصحة و العافية و الإمهالِ: هو الجراءةُ على الذنوب, والخطايا ؟

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** و إن أنت أكرمت اللئيم تمرد

كما تدلُ تلك المقالة من أولئك الناس, على أنهم لا يعرفونََ حقيقةَ الرجاء, و لا حقيقة الخوف, فيخلطون بين الرجاءِ و التمني, و بين الخوفِ والقنوط, و الدليل على أنهم يخلطون بين الرجاءِ و التمني, أنهم إذا رأوا إنساناً مفرطاً في دينه, واقعاً في معاصي الله تعالى, لكنَّه يردد في كل مناسبة أسأل الله العفو والعافية, أرجو الله أن يغفر لي, قالوا هذا إنسانٌ يرجو رحمةَ ربه, ولا يعلم أولئك, أنَّ هذا يُسمى متمنياً لا راجياً .

فإنَّ حقيقة الرجاءِ, هي فعلُ الطاعات و اجتناب المحرمات, ثم رجاءُ رحمةَ الله بعد ذلك .

وفي مثل هذا يقول الله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ) ) (البقرة:218) .

فبعد أن آمنوا وهاجروا, فتركوا الأهل والعشيرة, والوطن, ثم جاهدوا, وقاتلوا في سبيل الله , ثم بعد ذلك رجوا رحمة ربهم, وسألوه مَغفرتَه ورضوانه.

أما إعطاءُ النفسِ هواها, و مقارفة الذنوب و الآثام, ثم رجاءُ رحمة الله بعد ذلك ومغفرته, فهو التمني المذموم, الذي لا يفيد صاحبَه شيئاً, ولا يزيده من ربه إلا بعداً .

(( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ) ) (النساء:123) .

فالأماني أيها المسلمون: لا تُنجي أحداً, ولا تنفعه, ولكنَّ المقياسَ هو العمل, والاجتهادُ فيه, مع رجاء رحمةِ الله بعد ذلك .

أما خلطهُم بين الخوفِ والقُنوط, فإنهم إذا رأوا إنساناً يخافُ الله ويخشاه, ويحتاطُ لدينه, ويتجنبُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرة, ويحذر ُالشبهات والريب, ويخوفهم من ربهم وعذابهِ, ويتخولهم بالموعظة في مجالسِهم, أو مساجدِهم, إذا رأوا مثل هذا الإنسان التقي الورع, قالوا إنَّه قَنوطٌ من رحمةِ ربه, فيخلطونَ بين الخوفِ والقُنوط, بل ربَّما دعَوه بكلِ جهلٍ وحماقة, إلى تركِ هذا الخوف , وارتكابِ ما يرتكبونه من منكرات, أو مواقعةٍ للشبهات, فاللهُ غفورٌ رحيم, والله جواد كريم, ورحمته سبقت غَضَبه, ويأخذون في تخذيلِ هذا المؤمن, وتوهينِ عزمه ليدعَ الخوفَ,و يأمنَ مكرَ الله .

ولو تدبَّر هؤلاء ما في كتاب الله تعالى, وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم, من ترهيبٍ للعصاة والمفرطين، يهزُ القلوب الحية هزاً .

ولو درسوا سيرةَ سيد المرسلين, وسير صحابتهِ الأطهار, وما فيها من قَصَص خوفهم العظيم من ربهم عز وجل, وإشفاقهم من ذنوبهم .

لو تدبروا هذا كلَّه أو بعضَه, لتغيرت حالُهم, و رقت قلوبُهم، من خشيةِ الله تعالى, فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتُنا, وإمامُنا , سيدَ الخائفين يقول: (( لو تعلمون ما أعلم , لضحكتم قليلاً و لبكيتم كثيراً , ولما تلذذتم بالنساءِ على الفُرُش, ولخرجتم إلى الصعُدات, تجأرون إلى الله تعالى ) )رواه مسلم .

وكان عليه السلام, إذا قرأ القرآن يُسمعُ لجوفهِ أزيرٌ كأزيرِ المرجل من البكاء , وكان يُصلي من الليل, حتى تفطرت قدماه الشريفتان,

وهكذا كان الأنبياء من قبله, والأصحاب والصالحون من بعده, نماذج عجيبة في حسن العمل, وشدة الخوف من بارئهم تعالى.

فها هو الخليل عليه السلام, يتقرب لربه بتشيد البيت معاونةً مع إسماعيل ويلجأن بـ (( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ) (البقرة:128) .

واسمع كذلك: (( وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ) ) (صّ: من الآية24) .

وأسمع أيضاً: (( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ) ) (صّ:34) .

وهذا نوح: (( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً ) ) (نوح:28) .

وأما العباد والصالحون: فيذكر عن أبي بكر قوله: (( ليتني كنت شجرة تؤكل ثم تعضد ) ).

وأما الفاروق: فكان إذا صلّى بالناس, لا يكاد يسمع الناس من شدة الشهيق والبكاء .

ولو تتبعنا أخبار القوم، وشدة خوفهم من الله، من حسن أدائهم لواجباتهم المشروعة, لطال بنا المقام, ودونك سير أعلام النبلاء للذهبي, والحلية لأبي نعيم، والشذرات لابن العماد ترى العجب العجاب .

عائذاً بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) ) (الأنبياء: من الآية90)

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .

أيها المسلمون: فإنَّ من صفات الراجين الناجين بإذن الله تعالى:

أولاً: القيام بالواجبات المشروعة, وأدائها بكل أمانة وإتقان.

ثانياً: القراءةُ في سير الأنبياءِ والصالحين, والعُباد للتأسي بهم, والسير على مناهجهم .

ثالثاً: التخلص من كلّّّّّ الذنوب والخطايا, والمبادرة إلى التوبة النصوح .

رابعاً: إعتزال مواقع الشر, ومجالس الفتنةِ, وعدم مصاحبةِ الأشرار الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون .

خامساً: سؤال الله تعالى توفيقه وعونه, وسداده وتصويبه, فهو مسبب الأسباب, والموفق إلى الحق والصواب .

سادساً: إحسان الظن بالله قبل ذلك, وأثناءه, وبعده. وبذا يكون الرجاء قد أخذ موضعه الصحيح .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور،وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

1 رواه الإمام أحمد ( 275) من حديث سعيد بن وهب عن عائشة رضي الله عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت