فالعمل إذا أخّر صاحبه فإن النسب لا يضعه في المقدمة ولا يسرع به إلى مركز التوجيه والقيادة، ويقول:"لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى". فالتفاضل بين الناس إنما هو بتقوى الله، والمحور الذي تدور عليه التقوى هو فعل الخير وترك الشر.
وبقدر ما يقدمه الانسان من الخير. وبقدر ما يتجنب من الشر بقدر ما يحقق من التقوى التي تصل بالمرء إلى منزلة الكرامة عند الله والوجاهة في الناس:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
والناس فريقان: فريق يتجه إلى الناحية الشكلية فيهتم بها ويحرص عليها. يقول الرسول (ص) :"كلكم لآدم وآدم من تراب. مؤمن تقيّ كريم على الله. وفاجر شقي، هيِّن على الله. إن الله قد أذهب عنكم عُبَّيةَ الجاهلية وفخرها بالآباء. لينتهين أقوام عن فخرهم بالآباء أو ليكونن أهون عند الله من الجعلان التي ترفع بأنفها النتن".
والمال ليست له قيمة إلا من حيث أنه وسيلة للمطالب التي يحتاج إليها الانسان في قطع مرحلة هذه الحياة، فإذا تحول إلى غاية وأخذ حيزاً من تفكير الانسان وعاطفته، فإنه حينئذ يكون قد خرج عن وظيفته الأساسية وشغل النفس بما لا ينبغي أن تشغل به.
وقد عمل الاسلام على أن يوجه نظر الانسان إلى هذه المعاني، فقال الرسول:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
والله سبحانه وتعالى يقول:"وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنازلفى إلا مَن آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون".
وللغرائز والميول نزوات عاتية، وكثيراً ما حالت بين الانسان وبين مثله العليا وأهدافه النبيلة. وقد حرر الاسلام النفس منها بالتزهيد في الشهات، وحبب إليها التقليل في الرغبات، وحذره من مغبة اتباع الهوى، وأن على الانسان أن يعلو على كل رغيبة من الرغائب التي لا تحقق نفعاً ولا يتبعها مصلحة:"مَن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف غليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون".
"إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم".
إن الغاية التي يريدها الاسلام من الانسان هي أن يحقق العبودية لله وحده؛ والعبودية لله هي أشرف وصف يوصف به العبد. ولا تتحقق العبودية لله إلا إذا تحرر الانسان من عبودية السيطرة وعبودية الخوف والاضطراب، وعبودية الحسب والنسب والجاه والمال، وعبودية الهوى والشهوة وأصبح عبد الله وحده.
هذه هي روح الاسلام وحقيقته:"ومَن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن".